فلسطين أون لاين

​أقمار "القسام" الستة .. حكايات ما قبل "الانفجار"

...
جانب من تأدية صلاة الجنازة على الشهداء في دير البلح أمس (تصوير / ياسر فتحي)
غزة - يحيى اليعقوبي

وسط حلكة ليالي غزة، برزت ستة أقمار لتضيء السماء بدماء روت الأرض، هم ستة شهداء تلألأت أسماؤهم لتزيد النجوم نوراً ولمعةً، هي حكاية مُغلّفة بالتضحية والدم لروح واحدة في ستة أجساد، كان كل منهم يأخذ بيد الآخر، قائلاً.. "فلسطين الطاهرة لروحك السلام".

ستة من أبناء وقادة "كتائب القسام" الذين سالت دماؤهم لإفشال أكبر منظمة تجسس إسرائيلية في قطاع غزة بعد انفجار حدث غرب منطقة الزوايدة أول من أمس، وهم: محمود وليد الأستاذ (34 عاماً)- قائد ميداني في "كتائب القسام"، وسام أحمد أبو محروق (37 عاماً)، - محمود محمد الطواشي (27 عاماً)، موسى إبراهيم سلمان (30 عاماً)، وطاهر عصام شاهين (29 عاماً)، ومحمود سعيد حلمي القيشاوي (27 عاماً) من غزة الرمال.

"الإيثار المؤلم" حياة الشهيد "الأستاذ"

لم تكن إشراقة شمس السبت لدى عائلة "الأستاذ" كأي يوم آخر، ففي هذا اليوم فقدت العائلة عمودا من أعمدتها، رجل الإيثار الأول فيها، وهو الشهيد محمود الأستاذ الذي أدهش إخوته ببره لوالديه، فذات يوم عاد إلى البيت وكانت والدته مريضة فغضب لبقائها دون علاج وعلى عجل أخذها للطبيب.

لا ينسى شقيق الشهيد محمد حينما أراد أن يتزوج ولجأ إلى "محمود" لمساعدته في تكاليف الزواج، فوضع الأخير يده على صدره، وقال له "توكل على الله.. الموضوع عندي" ووقف معه، كما كان يقف مع جميع أفراد أسرته، يحمل همومهم على ظهره.

والشهيد أب لثلاثة أطفال أكبرهم أحمد في الصف الثاني، وزوجته حامل بطفله الرابع يقول شقيقه محمد "إن كان المولود ذكرا سنسميه "محمود" ليولد من جديد".

لقد أدهش والده بإيثاره على نفسه إذ يقول "يؤلمني هذا الإيثار، فهذا الشهيد أعطى شقيقه مالا لكي يبني بيتا من "الباطون"، وبقي هو يعيش ببيت من ألواح "الزينقو".

احتسى والد الشهيد جرعة من صمت، ثم قال "أتدري؛ لم يمر يوم وتقدم بالمشي عني خطوة واحدة، رغم مشيي البطيء وكنت أطلب منه التقدم فكان يرفض ويظل يسير خلفي إلى أن أصل البيت أو أي مكان نذهب إليه".

يتوقف والده عن الكلام وتبرق عيناه بشدة لتقفز منها دمعة تلو أخرى، ويقول: "كنت أتمنى لو لدي ألف ابن مثله، كان متواضعا لم يتفاخر في يوم من الأيام بنفسه".

دقات القلب تحدد لوالد "الطواشي" مصير نجله

قبل نصف ساعة من "الانفجار" ينادي والد محمود الطواشي على نجله "محمود" لتناول طعام الغداء مع أفراد العائلة، لكن محمود الذي بدا عليه العجلة الشديدة من أمره قال: "لا أريد.. لقد تلقيت اتصالاً مهماً هناك مهمة ضرورية".

وما أن مرت ربع ساعة، حتى سمع أهل دير البلح بذلك الانفجار الذي وصل إلى قلب والده قبل سمعه. فتح والد محمود الراديو فسمع المذيع يقرأ الخبر العاجل بوجود انفجار في منطقة غرب الزوايدة والحديث يدور عن خمسة شهداء، وكأن قلبه أخبره أن نجله معهم، قام وصلى ركعتين لجأ فيها إلى الله، وجمع أولاده وقال لهم "روحوا على مستشفى شهداء الأقصى شوفوا أخوكم هناك"؛ يرد أحدهم "مين قلك يابا؟"، فيجيبه "قلبي قلي".

قبل عام ونصف، يجلس الأب وابنه، يحاول اقناع الأخير بالزواج الذي كان يرفضه لأنه "يطارد الشهادة" كما كان يحدث والده منذ طفولته ليرد على أبيه مرة أخرى في ذات المجلس "لا أريد الزواج.. أنا أريد الآخرة" فرد والده "يابا هذه سنة الله في خلقه، تزوج وإن شاء الله بتنول الشهادة بعدين"، اقتنع الابن أخيرا بكلام والده وقدوته وتزوج ورزق بطفلة.

لا قبلة بعد اليوم يا .. "براء"

كان والد وسام أبو محروق، يستقل سيارة "أجرة" عائدا من زيارة عائلية لعمته الكبيرة في السن والبالغة 95 عاماً من محافظة رفح، وإذا به يسمع بالراديو بوجود انفجار، جهر بصوته وهو ينظر للسائق معبرا عن حزنه للخبر "الله يرحمهم؛.. أسأل الله أن يصبر أهالي الشهداء والجرحى ويربط على قلوبهم" قالها ولم يعلم أن نجله وسام أحدهم.

يعود وهو في السيارة بشريط الذكريات القريب إلى قبل ساعات من الانفجار، تذكر آخر ما قاله له نجله؛ .. على عتبات البيت "يابا ..سامحني" وهذا الطلب كان دائما يكرره وسام، ليجدد الأخير رضاه "الله يسامحك" ودعا له "ربنا يوفقكم ويبعد عنكم شر العملاء والخونة"، واستمر في طريقه ووصلت السيارة دير البلح، وقبل أن يصل بيته بنحو 500 متر، أوقفه أحد أبنائه وأخبره أن وسام في حالة خطرة، مهد له خبر الشهادة لتجنيب قلبه من الاكتواء من فقدان فلذة الكبد.

الشهيد وسام أحمد أبو محروق، خريج بكالوريوس تجارة من الجامعة الإسلامية، حصل على العديد من الدورات التدريبية في مجاله العلمي أو العسكري، متزوج ولديه ثلاث بنات وولدان، أكبرهم هيا في الصف السابع، وبراء في السادس.

براء، بدا صامتا هادئا لا يتحدث مع أحد، يلتفت بنظراته في أرجاء بيت العزاء دون أن يصدق أن والده قد رحل هذه المرة إلى غير رجعة، رحل ولن يقبله عندما يعود من العمل، رحل ولن يصحبهم في نزهة ترفيهية.

"انتهى الدين" وغادرت ابتسامة الشهيد "سلمان"

كعادته بابتسامته التي يضفي فيها سعادة على المكان الذي يتواجد فيه، حضر موسى سلمان يوم الجمعة إلى منزل والده واجتمع بإخوته فهو لا يدع يوما أو يومين يمران دون أن يذهب لزيارة والده. لم يخف الشهيد سليمان سبب سعادته لإخوته وقال: "أهم شيء إني سددت ديوني".. لم يدر أحد ولا حتى هو أنه سيكون اللقاء الأخير بينهم، وسيرحل شقيقهم وتغادر معه ابتسامته دون رجعة وسيبقى طيفه يحوم في هذا البيت، بعد استشهاده في الانفجار.

أحب موسى العمل المقاوم كما يروي شقيقه محمود، منذ طفولته التحق بالأذرع العسكرية وانتمى لكتائب القسام، وتوجه لسوريا لدراسة هندسة الاتصالات لكنه لم يكمل دراسته نظرا لاندلاع أحداث الثورة السورية، فعاد لقطاع غزة وعمل في هذا المجال في صفوف المقاومة. كان مجتهدا في عمله بشهادة كل من كان حوله وكان من المخلصين الذين دائما كانوا يطلبون الشهادة.

"سنحرر أراضينا؛ يرونها بعيدة ونراها قريبة" كانت هذه من أكثر العبارات التي يرددها الشهيد موسى فكان يتأمل أن يكون النصر قريبا.

وإن رحل الشهيد موسى تاركاً خلفه طفل اسمه "محمد 4 أعوام" فإن هذه العائلة ستكون على موعد مع اختلاط الفرح بالحزن عما قريب بانتظار أن تلد زوجته طفلها الثاني.

من يجيب "عبد الله" و"أماني"؟

جلس "طاهر شاهين" مع زوجته قبل عدة أيام يحصي ما عليه من ديون فكان كل همه هو سداد الدين، كأنه يشعر أنه سيفارقهم، السبت الثالثة عصرا وأثناء جلوسه مع زوجته كما يروي شقيقه "طارق"، جاءه اتصال وهم مسرعا للخروج من المنزل وقال لزوجته .. "هناك مشكلة في العمل يبدو أنه في هناك تجسس".

المغرب كان طارق الذي سمع بخبر ارتقاء شهداء في انفجار يؤم المصلين، وما أن انتهت الصلاة حتى جاءه اتصال يطلب منه الذهاب للمشفى فورا، يقول: "لم تكن ملامح أخي واضحة وتعرفت عليه من ملابسه وأصابع قدميه".

يقول شقيق الشهيد: "أدهشني حبه للجهاد فكان يمضي كل وقته للجهاد والمقاومة، وكان يقتطع من ماله وينفق للجهاد رغم ما عليه من ديون".

لم تكن علاقة الشهيد طاهر بطفليه "عبد الله عامان" وأماني عام واحد" عادية، كان دائما ما يحرص على اصطحابهما برفقته للتنزه.. ينادي ابنه "أبو عمر"، فلم ينفك الطفلان لدرجة تعلقهم بوالدهم عن السؤال عنه.

جثمان "القيشاوي" يرقد إلى جوار رفيقه "العكلوك".. صداقة خالدة

سعيد، جنى، سارة.. أطفال الشهيد محمود القيشاوي، هم كذلك لن ينعموا بحنان والدهم بعد اليوم، غاب ورحل معه حنانه وحبه الذي أغدقهم به، المعرش الأحمر الذي كان يجلس هو وأصدقاؤه يجتمعون يوميا حتى المساء أصبح خاويا، لن يشهد اجتماع الأصدقاء بعد اليوم.

الجمعة قبل الانفجار بيوم، خرج محمود برفقة أصدقاء له في رحلة ترفيهية، سادها الضحك والسمر والمرح، يحدث محمود أحد أصدقائه الذي يريد السفر "هذه آخر عشوة لنا معك يا أبو فؤاد" ولم يعلم أنها آخر لقاء وعشاء يجمعهم به.

"اشتقت لإسماعيل العكلوك (شهيد قسامي استشهد خلال حرب عام 2014) لا أعرف أنام وأنا بفكر فيه".. يفصح محمود قبل عدة أيام عن ما يجول في سره وعقله ووجدانه، فلطالما كان يقول لهم "اشتقت لإسماعيل"، والجميل هنا في حكاية الوفاء، أن قبر "القيشاوي" تجاور قدرا قبر الشهيد "العكلوك" لتكون صداقة خالدة بدأت في الدنيا وأكملاها معا في حياة خالدة، حياة لا يموت فيها الشهداء.