فلسطين أون لاين

​صحفيون يُصابون بأسلحة الاحتلال لتوثيقهم الحقيقة

...
غزة - نور الدين صالح

تجهز وارتدى السترة الخاصة بالصحفيين يتوسطها قماشة بيضاء كُتب عليها شارة (PRESS) "صحافة"، التي كفلت كل القوانين الدولية حماية مرتديها، ثم وضع الخوذة على رأسه، إيذانًا بالتوجه إلى تغطية مسيرة العودة وكسر الحصار السلمية شرق رفح.


كانت هذه أولى الخطوات التي اتبعها المصور الصحفي خليل أبو عاذرة (35 عامًا) قبل توجهه إلى خيام العودة، التي نصبت على بعد 650 مترًا عن السياج الاحتلالي الفاصل.


يؤكد أبو عاذرة الذي يعمل مصورًا صحفيًّا لقناة الأقصى الفضائية غدر الاحتلال الإسرائيلي، واستهدافه المباشر للصحفيين، بهدف طمس الحقيقة، قائلًا لصحيفة "فلسطين": "الاحتلال لا يفرق بين صحفي ومواطن آخر".


ويبدو أن كاميرته أوجعت جنود الاحتلال الذين حددوها هدفًا لقناصتهم، فحينما كانت عقارب الساعة عند الثالثة عصرًا اشتد هجوم الاحتلال على الشبان العزل بالرصاص الحي، وقنابل الغاز المسيل للدموع.


"كنت أصور إطلاق جنود الاحتلال الرصاص الحي، وقنابل الغاز صوب المتظاهرين السلميين" يتحدث أبو عاذرة عن لحظات إصابته، حينما باغتته رصاصة متفجرة في قدمه اليسرى.


هنا تحوّلت كاميرته التي سقطت منه لحظة إصابته وارتطامه بالأرض إلى شاهدة على جريمة الاحتلال، الذي ضرب عرض الحائط بكل المواثيق الدولية وحقوق الإنسان التي يزعم التزامه بها أمام العالم.


ويرقد أبو عاذرة حاليًّا في مستشفى غزة الأوروبي بخان يونس، بعدما أجريت له عملية جراحية قبل عدة أيام فيه، لاسيما أنه تنقّل بين أكثر من مستشفى منذ لحظة إصابته حتى الآن.


ويشير إلى أن إصابته كادت تؤدي إلى بتر قدمه من منطقة "الرُكبة"، لصعوبتها، لكن تدخل فريق طبي وأجرى عملية ناجحة له حالت دون ذلك.


ومع ذلك يُصر على مواصلة تأدية رسالته الإعلامية، وكشف حقيقة الاحتلال للعالم أجمع، "سنواصل رسالتنا وواجبنا في تغطية مسيرة العودة السلمية، رغم جرائم الاحتلال ضدنا" يقول أبو عاذرة.


مخاطر

لم يكن أبو عاذرة الصحفي الوحيد الذي أصيب خلال تغطية مسيرات العودة السلمية، بل سجلت لجنة دعم الصحفيين أن 84 صحفيًّا أصيبوا خلال الشهر الماضي، ونتيجة لاستهدافهما المتعمد من قبل جيش الاحتلال استشهد الصحفيان ياسر مرتجى وأحمد أبو حسين.


كانت حكاية الألم الممزوجة بالإصرار هنا للمصور الصحفي عبد الرحمن الكحلوت، الذي لم يسلم من قناصة جنود الاحتلال المتمركزين خلف السياج الفاصل شرق غزة.


"كنت يوم الجمعة في منطقة الشجاعية، وأرتدي السترة الواقية الخاصة بالصحافة، وأمارس مهنتي في توثيق جرائم الاحتلال" بهذا بدأ الكحلوت حديثه إلى صحيفة "فلسطين".


يتنقل الكحلوت (25 عامًا) بعدسته هنا وهناك بين زحمة الأحداث والإطارات المشتعلة في موقع "ملكة"، محاولًا رصد وتوثيق أكبر قدر ممكن من ممارسات الاحتلال الإجرامية ضد المشاركين في المسيرة السلمية، وهو ما لم يرق قناصة الاحتلال.


ويروي أن قناصة الاحتلال أطلقوا عليه النار عدة مرات، قائلًا: "حاولت التوجه إلى منطقة آمنة، لكن رصاصة متفجّرة أصابت قدمي من الأسفل".


لم يستطع التحرك أكثر بسبب الإصابة فسقط أرضًا، حتى نقلته الطواقم الطبية من المكان، ثم حوّل إلى مجمع الشفاء الطبي، وهناك وصف الأطباء إصابته بالمتوسطة، وفق إفادته.


ويبين أنه لا يزال يعاني من أعراض الإصابة حتى الآن.


ويشير الكحلوت خلال حديثه إلى المخاطر التي يواجهها الصحفيون خلال تغطية الأحداث الميدانية، وأبرزها الاستهداف المباشر من الاحتلال، وإطلاق الرصاص الحي وقنابل الغاز صوبهم، وهو ما يدل على محاولات الاحتلال لطمس الحقيقة، ومنعها وصولها إلى العالم.


ويوجه رسالة إلى المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان بضرورة ملاحقة الاحتلال على جرائمه بحق الصحفيين، والضغط عليه للكف عن استهدافهم.


ويختم حديثه بعبارة الإصرار والعزيمة: "مستمرون في عملنا بنقل بالحقيقة".


في المنطقة نفسها قصة أخرى تُخط بالعزيمة والألم، للمصور الصحفي هاشم حمادة (25 عامًا).


كان حمادة في الموقع نفسه، على بُعد أكثر من 300 متر من السياج الفاصل، وهو يرتدي الزي الخاص بالصحفيين، ويحمل بيده كاميرا تصوير.


بينما كان منهمكًا في التصوير باغتته قنبلة غاز غادرة سقطت على رأسه مباشرة، فقد على إثرها الوعي وارتطم بالأرض، وسالت الدماء على وجهه، يقص حمادة أولى لحظات إصابته.


ويؤكد لصحيفة "فلسطين" أن الاحتلال لا يفرق بين صحفي ومشارك سلمي في المسيرة وطفل.


لم ينتهِ مسلسل جرائم الاحتلال عند هذا الحد، فكان الصحفي نبيل داربيه (21 عامًا) كذلك ضحية جرائم الاحتلال.


بعد ضع دقائق من وصوله إلى منطقة السياج الفاصل لالتقاط أبرز مشاهد عنف الاحتلال ضد المشاركين في المسيرة السلمية هاجمهم الاحتلال بإطلاق وابل من قنابل الغاز، ويبين درابيه لصحيفة "فلسطين" أن قنبلة أصابته ووقعت على رأسه مباشرة.


ونقل إلى أقرب نقطة طبية آمنة، ثم حول إلى المستشفى الأندونيسي، شمال قطاع غزة.


ويختم حديثه: "مهما استهدفنا قناصة الاحتلال؛ فإننا سنواصل عملنا في كشف الوجه الحقيقي المجرم للاحتلال أمام العالم أجمع".


كانت هذه بعض حكايات الصحفيين الذين أصيبوا خلال تغطيتهم مسيرة العودة وكسر الحصار السلمية، لكن هذه الحكايات ليست الأولى ولاشك أنها لن تكون الأخيرة؛ فجنود الاحتلال يبذلون كل جهودهم من أجل إخفاء حقيقة إجرامهم بحق الشعب الفلسطيني.