فلسطين أون لاين

اللحظات الأخيرة في حياة الصحفي مرتجى

...
غزة - نبيل سنونو

انهمرت النداءات: "إسعاف، إسعاف"، جاء الأخير مهرولًا وسط ساحة لا يكاد ينجو فيها إنسان من انهمار قنابل الغاز والرصاص الحي، قرب السياج الفاصل الشديد التحصين عسكريًّا شرق خان يونس.


هناك أصيب الصحفي ياسر مرتجى، عندما كان يوثق بالكاميرا أحداث يوم مشهود احتشدت فيه حناجر الفلسطينيين لتقول بصوت عال: "آن أوان العودة".


"ياسر، أنت بخير؟!" أطلق الصحفي أشرف أبو عمره نداءه على زميله مرتجى، لكنه لم يرد.


قال أبو عمرة لصحيفة "فلسطين": "كنا شرق خان يونس يومها (الجمعة 6 نيسان (أبريل) 2018م)، واستعددنا بعد أداء الصلاة لنصور ما عرفت بجمعة الكاوتشوك، وبدأ الشبان (الفلسطينيون) يدخلون المنطقة ويشعلون الكاوتشوك، وكنت أنا وزميلي ياسر نقف جنبًا إلى جنب نلتقط الصور الصحفية، وفجأة أطلق الإسرائيليون النار وقنابل الغاز".


والشبان الفلسطينيون العزل كانوا ينفذون فعاليات ضمن مسيرة العودة السلمية عند السياج الاحتلالي الفاصل، للمطالبة بتطبيق القرار (194) الذي ينص على حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم المحتلة، لكن الكيان العبري الذي اعتاد مواجهة الشعب الفلسطيني بالأسلحة والعنف يرفض ذلك.


كان جنود الاحتلال يقذفون قنابل الغاز والرصاصات الحية من خلف ما يشبه جدارًا أسود شكلته أدخنة إطارات السيارات المشتعلة في تلك المنطقة.


استخدام جنود الاحتلال العنف أوقع إصابات في صفوف الفلسطينيين المشاركين في مسيرة العودة السلمية، وحينها انشغل المصورون بالتقاط المشاهد، ومنهم الصحفي مرتجى.


أضاف أبو عمرة: "تقدم (مرتجى) عني نحو 10 مترات، وتفاجأت أنه يقع على الأرض، فناديت عليه بسرعة: "ياسر، ياسر، أنت بخير؟!"، لم يرد عليّ، نادينا على الطواقم الطبية وحملناه، وفككنا عنه الخوذة كي يتنفس، وأدخلناه في سيارة الإسعاف".


فتحت إصابة مرتجى بابًا واسعًا من الإدانات لجيش الاحتلال الإسرائيلي، الذي انتهك القوانين الدولية بهذا الفعل.


"مرتجى كان يرتدي خوذة وسترة الصحفيين التي تتضمن شارة "Press" (صحافة) بوضوح لا لبس فيه" تابع أبو عمرة، مستدركًا: "لكن قناصة جيش الاحتلال تعمدوا استهدافه وقتله، على بُعد 150 مترًا تقريبًا من السياج الفاصل".


وزير جيش الاحتلال الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان زعم أن مرتجى استخدم طائرة تصوير فوق جنوده، لكن الميدان والشهود كذّبوا ليبرمان، إذ إن هذا الصحفي لم يكن بحوزته سوى كاميرا عادية.


قال أبو عمرة: "ياسر مرتجى لم يكن يحمل طائرة، كان يصور بكاميرا عادية، وهذا مثبت بصور وشهود من اللحظة الأولى لوصوله إلى المكان حتى مغادرته مصابًا".


مركز الميزان لحقوق الإنسان أكد في بيان أن الصحفيين محميون بصفتهم مدنيين بموجب قواعد القانون الدولي الإنساني، والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وأن استهدافهم رغم الشارات المميزة لهم لا يدع مجالًا للشك بنية قوات الاحتلال إيقاع الخسائر في صفوفهم، لمحاولة منعهم من نقل حقيقة ما ترتكبه تلك القوات على أرض الواقع.


صدمة

"كيف إصابتي؟" كان هذا هو السؤال الذي وجهه مرتجى إلى الأطباء لدى وصوله إلى قسم الاستقبال في مجمع ناصر الطبي، فردوا عليه بأن إصابته بسيطة، وهو أسلوب متبع لطمأنة المصاب، وإن كانت حالته خطرة، بحسب إفادة رئيس قسم الجراحة في المجمع د. سليم صقر.


لكن حالة مرتجى كانت الأخطر ضمن الحالات المصابة في ذلك الوقت، بحسب تصنيف صقر.


وكان مرتجى صاحب الوجه القمحي الذي لم تفارقه يومًا الابتسامة واعيًّا نسبيًّا حينئذ ويتصبب عرقًا جسمه، ما دل على أنه في حالة توصف طبيًّا بأنها "صدمة"، يرافقها ضغط منخفض.


قال صقر لصحيفة "فلسطين": "وصل إلينا مرتجى بعد صلاة الظهر بقليل، وكان في حالة صدمة (Shock)".


ووصف مسار الرصاصة: "كان لها مدخل من الناحية اليسرى من جنب البطن، ومخرج من الجهة اليمنى، أعلى الفخذ من فوق، من الخلف".


أضاف: "ضغطه كان نحو 60 على 40، كان في حالة صدمة (ناتجة عن النزف)"، مبينًا أنه تعومل سريعًا مع الحالة، ووضعت محاليل، وحجزت غرفة عمليات مباشرة.


لم يكن الوقت وحالة مرتجى يسمحان بإجراء فحوصات، "كل دقيقة تذهب تكون من حياته"، ولذلك أدخل عاجلًا إلى غرفة العمليات حيث أجريت عملية استكشافية للبطن، وهناك كانت "المفاجأة".


تهتك شديد في المعدة، والقولون المستعرض، وتهتك في المرارة، والفص الأيمن للكبد، والقولون الصاعد، وانفصال الحالب إلى نصفين، وتهتك في العضلات في الجدار الخلفي للبطن، وفي عظم الحوض في الجهة اليمنى؛ هذا ما اكتشفه الأطباء في جسد الشاب الثلاثيني المصاب.


كأنما كانت غارة متكاملة بصواريخ في بطن هذا الشاب لا رصاصة حية فحسب.


الأطباء وجدوا أيضًا أن أكبر وريد في البطن كان مصابًا، وبحسب ما ذكر صقر استخدمت "فُوَط" في البداية إلى أن تعوض الكمية التي نزفت من الدماء، ويتحسن ضغطه.


استدعي طبيب المسالك البولية، وطبيب الأوعية الدموية أيضًا.


كمية الدم التي نزفت قبل العملية وفي أثنائها أوصلت مرتجى إلى حالة تسمى طبيًّا "سيولة في الدم"، إذ يرشح دم من كل المناطق.


ياسر المعروف على نطاق واسع في قطاع غزة وله زوجة وطفل كان قد كتب على صفحته في موقع (فيس بوك) قبيل أيام من إصابته: "نفسي يجي اليوم اللي آخد هاي اللقطة (صورة جوية لميناء غزة) وأنا بالجو مش ع الأرض، اسمي ياسر مرتجى، عمري 30 سنة، ساكن في مدينة غزة، عمري ما سافرت".


ويفرض جيش الاحتلال على قطاع غزة حصارًا مشددًا منذ 11 سنة، وفي القطاع نحو مليون و400 ألف لاجئ فلسطيني.


"سافر" ياسر، لكن إلى السماء شهيدًا، إذ أعلنت وزارة الصحة ارتقاءه فجر اليوم التالي لقنص جنود الاحتلال له، متأثرًا بالجروح البالغة التي أصابته.