فلسطين أون لاين

الخاسرون وهم يظنون أنهم المحسنون

في الآخرة، لا تكون المفاجأة الكبرى في وجود العذاب فقط، بل في دهشة الخاسرين؛ أولئك الذين يقفون بين يدي الحق وهم يظنون – إلى آخر لحظة – أنهم كانوا على صواب، وأن حياتهم كانت عامرة بالخير، مثقلة بالحسنات، فإذا بالميزان ينقلب، وإذا بالحصاد يأتي صفراً أو رماداً. إنها الخسارة التي لا تشبه غيرها: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ۝ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ هذه الآية لا تتحدث عن المجرم الواضح، ولا عن الغافل البسيط، بل عن فئة أخطر: التي اجتهدت… ولكن في الاتجاه الخاطئ.

الخسارة الحتمية: حين ينفصل العمل عن الحق

في المقاربة العرفانية، لا تُقاس الأعمال بكثرتها ولا بضجيجها، بل بحقيقتها وبجهتها. فالعمل، مهما بدا صالحًا في صورته، إن لم يكن متصلًا بالحق، صادرًا عن نية صادقة، مندرجًا في ميزان التوحيد، فإنه يتحول إلى قشرة بلا لب، وإلى حركة بلا روح. الخطر الأكبر أن الإنسان قد يُحسن الظن بنفسه أكثر مما ينبغي، فيقيس صلاحه بمعايير نفسه لا بمعايير الحق. يرى جهده، ولا يرى علّته. يرى فعله، ولا يرى مصدره. يرى أثره الخارجي، ويغفل عن باطنه.

وهنا يقول أهل العرفان: أخطر الحُجُب هو حجاب العمل الصالح إذا صاحبه العُجب. العُجب ليس معصية ظاهرة، بل هو فساد خفي يتسلل إلى القلب بعد الطاعة. أن ترى نفسك فاعلًا، لا مُوفَّقًا. أن ترى عملك كبيرًا، وربك مديونًا لك. أن تتحول العبادة من باب فقر إلى باب استحقاق. في هذه اللحظة، ينقلب العمل من وسيلة قرب إلى سبب بُعد، ومن سلم إلى جدار. فيظن صاحبه أنه يبني رصيدًا للآخرة، بينما هو في الحقيقة يكدّس حجابًا إضافيًا بينه وبين الحق. ولهذا قال بعض العارفين: معصية أورثت ذلًا وانكسارًا خير من طاعة أورثت كِبرًا واعتدادًا.

النية: الميزان الذي لا يُرى

في يوم القيامة، لا تُوزن الأفعال كما تُرى في الدنيا. لا يُنظر إلى عددها، بل إلى روحها. النية هنا ليست جملة تُقال، بل توجه وجودي: لمن كان هذا العمل؟ ومن كان المقصود به حقًا؟ كثيرون عملوا للدين، لكنهم في العمق كانوا يعملون لذواتهم:

-         لسمعةٍ مستترة

-         أو لشعورٍ بالتفوق

-         أو لهويةٍ صلبة تمنحهم الإحساس بالأمان

-         أو لصورةٍ ذهنية عن أنفسهم بوصفهم “أخيارًا”

وهنا تكون الصدمة: أن يكتشف الإنسان أن الله لم يكن حاضرًا في قلبه كما كان حاضرًا في شعاراته.

عبادة بلا حضور: جسد بلا روح

العمل المقبول ليس حركة الجوارح فقط، بل حضور القلب. والعبادة التي تُؤدى بلا وعي، بلا مراقبة، بلا خشية، قد تتحول مع الزمن إلى عادة ميكانيكية، تؤديها النفس وهي غائبة، بل ربما متعالية. في هذه الحالة، لا تعود العبادة تذكيرًا بالحق، بل تصبح تأكيدًا للذات. فيزداد الإنسان ظنًا بنفسه، لا معرفة بربه. وهنا تكمن الخسارة: أن تقضي عمرك في العبادة، دون أن تتبدل، دون أن تلين، دون أن تنكسر. من أخطر أسباب هذه الخسارة أيضًا المعرفة غير الموصلة. علمٌ بلا خشية، وفهمٌ بلا تواضع، وخطابٌ دينيٌّ متماسك في الظاهر، لكنه مقطوع عن تزكية النفس.

لحظة الكشف: حين يسقط كل الزيف

في الآخرة، تسقط الأقنعة. لا يعود ممكنًا الاحتماء بالنيات المُدّعاة، ولا بالأعمال المُعلّبة، ولا بالصورة التي صنعها الإنسان لنفسه. هناك، يظهر الشيء كما هو، بلا رتوش. وهنا تكون الفاجعة: أن يرى الإنسان سيرته، لا كما كان يرويها، بل كما كانت في ميزان الحق.

الخلاصة؛

ليست القضية أن نعمل أكثر، بل أن نكون أصدق. ليست المشكلة في قلة الطاعة، بل في غياب الحضور.وليست النجاة في كثرة الشعارات، بل في صفاء الاتجاه. الخاسر الحقيقي ليس من قصر، بل من ضل وهو يظن أنه وصل.