فلسطين أون لاين

​نشر تسجيلات السرقات.. عقوبةٌ إضافية وغير قانونية

...
غزة - مريم الشوبكي

في الآونة الأخيرة، شاع نشر تسجيلات كاميرات المراقبة لعمليات السرقة عبر الإنترنت، وخاصة في مواقع التواصل الاجتماعي، فمن يتعرض للسرقة ينشر صورًا وتسجيلات لما حصل معه، إما لأجل التعرف على هوية اللص، أو بهدف معاقبته على فعلته وفضحه.

السرقة جريمة يُعاقب عليها القانون بعقوبات محددة، ليس من بينها التشهير باللص، فهل يحق لضحايا السرقات نشر صور ومقاطع فيديو تُظهر اللصوص؟ وما الأبعاد القانونية والاجتماعية لهذا التصرف؟

اعتداء على الحقوق

قال الناطق الاعلامي باسم الشرطة الفلسطينية في قطاع غزة أيمن البطنيجي: "الصور ومقاطع الفيديو التي تسجلها كاميرات المراقبة تساعد في الوصول إلى الأشخاص المطلوبين، لذا الأصل أن يتوجه من يتعرض للسرقة للشرطة، ويقدّم لها التسجيلات التي يملكها، حتى تقوم بالإجراءات اللازمة وتتعرف على السارق".

وأضاف لـ"فلسطين" قائلا: "ولكن ليس هناك نص قانوني يمنع نشر هذه التسجيلات أو يحاسب من يفعل ذلك".

وتابع: "لا تمنع الشرطة أي شخص من تركيب كاميرات في محيطه، بل تحثّ المواطنين على تركيبها، لأنها تساهم في إظهار الحقائق، وتسهّل حل القضايا الحساسة"، لافتا إلى أن تركيب الكاميرات مسموح في أي مكان دون موافقة الشرطة، باستثناء الأماكن الحساسة والأمنية فقط.

وأكّد البطنيجي أنه يحق للص الذي تُنشر تسجيلات له أثناء السرقة عبر الإنترنت، أن يرفع قضية في النيابة العامة على من نشر صوره، ومن ثم يتم اتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة، موضحا أن هذه القضية تندرج تحت بند الاعتداء على حقوق الآخرين والتشهير وتشويه السمعة.

تعدد العقوبات

وعن الرأي القانوني في نشر هذه التسجيلات، قال مدير المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية "مسارات"_ مكتب غزة، صلاح عبد العاطي: "الأصل أن الكاميرات موجودة لحماية المنشآت والأفراد، وتركيبها قانوني، ولكن المطلوب تنظيم قانوني لها".

وأضاف عبد العاطي لـ"فلسطين": "هذه الكاميرات تخضع بشكل كامل لمن قام بتركيبها، ولا يمكن استخدام تسجيلاتها في إدانة الأشخاص إلا من خلال النيابة العامة، التي تطلب التسجيلات من أصحابها طواعية، أو تُصدر أمرا لأخذها منهم خلال فترة محددة".

وأكد أنه لا يجوز لأحد نشر تسجيلات الكاميرات، بقصد الفضح لأنه يمس بمكانة الاشخاص، إلا بصدور حكم قضائي مسبب لنيابة وهذا يخضع لتقديراتها فقط وليس لتقديرات الأفراد.

وأشار عبد العاطي إلى أن القانون يكفل لمن يتعرض للقذف والتشهير تقديم شكوى للنيابة العامة ضد من نشر الفيديو.

وأوضح: "عقوبة السرقة هي الغرامة أو الحجز، ويكفي للسارق أن يأخذ عقوبة الجريمة، وليس عقوبات متعددة بفضحه ونشر مقطع الفيديو الذي يظهر فيه، كما يجب عدم نشر القضية للعامة، بل إبقاء أعمال التحقيق للنيابة العامة فقط، فهي المخولة بنشر التسجيلات وفق محددات".

عامل مُفكك

وعن البعد النفسي والاجتماعي للموضوع، قال أخصائي الصحة النفسية اسماعيل أبو ركاب: إن "نشر صور ومقاطع فيديو لعمليات سرقة أو أي عمل مخل بالآداب والقوانين، هو أمر غير صحي، لأن المجتمع واحد، وله عقيده دينية واحدة، والاساءة هنا لا تقع علي المذب فقط بل تتعدي ذلك لتطال جميع أفراد أسرته، ما يعني أن النشر عاملٌ مفكك للترابط الأسري والمجتمعي".

وأضاف لـ"فلسطين": "أكبر عقاب للسارق هو الحجز، والعقاب القانوني وتوابعه، ولكن نشر تلك التسجيلات، يمكن أن يجعل من ذلك الشخص أداة لأهوائه وردود فعله السلبية تجاه المجتمع بشكل عام".

وتابع: "المجتمع لا ينسي الإساءة، بسهولة ومفهوم الوصمة الاجتماعية موجود، وهذه الوصمة أخطر على الأسرة من الشخص نفسه، إذ يتكون عن هذه الأسرة انطباع سلبي، ويراها المجتمع مقصرة في تربية الابن السارق، على اعتبار أنها لو وفرت له التنشئة الصحيحة لما أقدم على تلك السلوكيات".

وواصل: "المجتمع بأكمله يجلد أسرة السارق، مما يزيد عزلتها وانقطاعها عن المحيط لفترة، وهذا يزيد احتمال وجود بعض الأشخاص من نفس الأسرة ينتهجون نفس النهج".

ولفت أخصائي الصحة النفسية إلى أن نشر المقاطع يسبب التفكك العائلي في بعض الحالات، فمثلا قد يكون السارق الذي ظهر في الفيديو متزوجًا وله أبناء، ما يزيد المشكلة تعقيدا.

نشر هذا النوع من المقاطع لا يؤذي السارق وأسرته فحسب، وإنما يضر المجتمع، بحسب أبو ركاب، إذ أوضح: "عرض تلك المشاهد يدفع بعض النفوس البسيطة في تفكيرها لتقليدها والنجاح في تنفيذها"، مبينا: "بالإضافة إلى ذلك فإن مشاهد السرقات تُفقد المجتمع الشعور بالأمان وتنشر فيه الخوف".

وأشار إلى أن "اللص الذي يظهر في الصور قد لا يكون ممتهنا للسرقة، وإنما اتجه نحوها بفعل ظروف صعبة يعيشها، وهذا إذا تم فضحه، فإن المجتمع قد مارس بحقه عقابًا جماعيا له ولأسرته".

وأكد أبو ركاب أن نشر صور اللصوص لا يشكّل رادعًا يمنعهم عن تكرار السرقة، فهناك أشخاص تم فضحهم ونشر معلومات خطيرة عنهم، لكنهم أعادوا تكرار تلك السلوكيات.