بعيدًا عن مخرجات لقاء بيروت؛ تتحضر رام الله لعقد المجلس الوطني في 30 أبريل/نيسان المقبل، وسط اعتقاد يسود على نطاق واسع، مفاده أن رئيس السلطة محمود عباس، يسعى إلى إقصاء معارضي مشروع التسوية الفاشلة مع (إسرائيل)، وتعزيز سيطرة حركته على المؤسسات الرسمية الفلسطينية، قبيل أي غياب محتمل له.
وكانت اللجنة التحضيرية للمجلس الوطني شددت في ختام اجتماعها في بيروت مطلع العام الماضي، على ضرورة عقد المجلس "بحيث يضم كافة الفصائل الفلسطينية"، وفقًا لإعلان القاهرة (2005) واتفاق المصالحة (4 أيار/ مايو 2011)، من خلال الانتخاب أو التوافق؛ لكن اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير قررت خلال اجتماع برئاسة رئيسها محمود عباس، عقد "الوطني" دون توافق وطني.
ويشغل الثمانيني عباس، منصب رئيس حركة فتح، ورئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، ورئيس السلطة الفلسطينية رغم انتهاء ولايته منذ العام 2009.
ويُرجع رئيس مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات د.محسن صالح، توجه عباس لعقد "الوطني" دون توافق، إلى أن بعض أعضاء اللجنة التنفيذية للمنظمة فقدوا قدرتهم على المشاركة لأسباب صحية كمحمد النشاشيبي الذي يبلغ 90 عامًا، وعبد الرحيم ملوح الذي أصابه المرض أيضًا، ووفاة غسان الشكعة، عدا عن أن ياسر عبد ربه، الذي أعفاه عباس من منصب أمين سر "التنفيذية"، لا يحضر اللقاءات.
يقول صالح لصحيفة "فلسطين"، إنه إذا حدثت حالة وفاة لأي عضو "تنفيذية" من الممكن أن تفقد الأخيرة نصابها، لذلك هناك مخاوف لدى عباس من ذلك.
ويوضح أن عباس الذي تجاوز 82 عاما، يسعى إلى إدخال أسماء جديدة من حركة فتح إلى اللجنة التنفيذية، ويرتب لمن سيقود المنظمة في حال غيابه، وهناك شخصيات مرشحة أن تنضم للجنة وأخرى ستذهب.
ويعتقد صالح أن ذلك يأتي ضمن "ترتيب فتحاوي داخلي" يستعجل موضوع الترتيبات القيادية، ويرى أنه يجب الاستعجال حتى تضمن حركة فتح إدارة السلطة في حال غياب عباس.
وإضافة لذلك، يريد عباس من خلال ترتيباته الجارية، تعزيز مكانته داخل منظمة التحرير للدفع بأي سياسات مستقبلية قد ينفذها على الأرض، ولإيصال رسالة للبيئة العربية والدولية أنه قادر على أن "يقود" الحالة الفلسطينية.
وعن توجه عباس لعقد المجلس دون توافق وطني، يقول صالح إنه إذا دخلت حركة المقاومة الإسلامية حماس وحركة الجهاد الإسلامي منظمة التحرير، فهذا يعني إنشاء معادلة فلسطينية مبنية على اتفاق المصالحة وعلى إعادة النظر في منظومة العمل الفلسطيني وبنية المجلس الوطني.
ويضيف أن دخول حماس بشكل يعكس حجمها في الداخل والخارج للمنظمة سيعني إعادة النظر في مسار التسوية التي تخوضها السلطة، واتفاق أوسلو، والقرارات المرتبطة بالأخيرة، وإعادة تركيب وترتيب المنظومة السياسية الفلسطينية.
ويرى صالح أن عباس وحركة فتح لا يريدان دفع أثمان الشراكة الوطنية على مستوى منظمة التحرير، لأن ذلك يرتبط ببنى المنظمة ومجلسيها المركزي والوطني واللجنة التنفيذية.
ويتابع: "هذا ثمن كبير، لا أظن أن فتح بعقليتها التي تريد أن تبقى مسيطرة على الوضع الفلسطيني، ولا عباس بعقليته الذي يريد أن يمسك بكل الخيوط والمفاتيح بيده، مستعدون لدفع هذه الأثمان".
ويشير صالح إلى أن فتح مسيطرة على المؤسسات الرسمية الفلسطينية، لكنها تريد أن تعيد ترتيب أوراقها بما يعزز هذه السيطرة، دون دفع أثمان واستحقاقات مرتبطة بإعادة ترتيب البيت الفلسطيني.
ويزيد مجموع المتوفين من أعضاء المجلس الوطني عن 93 عضوا، إذ يبلغ مجموع الشواغر من المتوفين من قوائم الفصائل والاتحادات المنضوية تحته 17 عضوًا، فيما يبلغ مجموع الأعضاء المتوفين من "قوائم المستقلين" 76.
ويؤكد النظام الأساسي لمنظمة التحرير، أن المجلس الوطني هو السلطة العليا لها وهو الذي يضع سياسة المنظمة وبرامجها. وعمليا لم ينعقد المجلس بشكل كامل منذ أبريل/نيسان 1996م.
"منظومة مؤسفة"
وعما إذا كان عباس سيختار الاستقالة خلال الاجتماع المرتقب، يجيب صالح: "لا أظن، طالما بقي على قيد الحياة سيستمر (في مناصبه). ربما هو يعكس حالة وطبيعة الحكام العرب في المنطقة".
وبشأن إمكانية إجراء انتخابات فلسطينية، يقول صالح إنه لن تكون هناك انتخابات حقيقية إلا إذا ضمن عباس وحركة فتح أن سيستمرون في السيطرة على السلطة.
ويعتبر صالح أن المنظومة التي تقود النظام السياسي الفلسطيني الرسمي لا تحترم القوانين، مبينا أن قيادة السلطة تمنع عقد المجلس التشريعي حتى يمارس صلاحياته، وهي تقرر حصار قطاع غزة، وتشكل حكومة (برئاسة رامي الحمد الله) لم تنل ثقة "التشريعي".
ويردف: "منظومة (قيادة السلطة والمنظمة) مؤسفة، لا تخضع للرقابة ولا المحاسبة ولا الإجراءات المنصوص عليها في النظام الأساسي الفلسطيني".
ويُبيّن صالح أن رئاسة السلطة "سلبت صلاحيات المجلس التشريعي" وفرضت حكومة متناقضة مع الدستور، كما أن منظمة التحرير والمجلس الوطني انتهت صلاحياته منذ أكثر من 20 سنة، وكان ينبغي تجديده منذ زمن طويل من خلال تشكيل مجلس جديد، وقد تم الاتفاق على تغييره وبناء "وطني" جديد سنة 2005 في اتفاقات القاهرة لكن للأسف لم يتم التنفيذ، إذ إن السلطة وحركة فتح ألغتا هذه الترتيبات بعد فوز حماس في الانتخابات التشريعية عام 2006، وفق صالح.
وكانت حماس اكتسحت نتائج الانتخابات التشريعية في 2006م، بحصولها على 76 مقعدًا من أصل مقاعد المجلس التشريعي البالغة 132.
ويتفق مدير عام مركز "باحث" للدراسات الاستراتيجية، وليد علي، مع سابقه بأن "التنفيذية" التي يرى أنها بلا شرعية حقيقية، مهددة بفقدان النصاب إذا توفي عضو آخر من أعضائها.
ويضيف علي لصحيفة "فلسطين"، أن من الواضح أن عباس "مربك تمامًا"، بعد وصول مشروع التسوية الذي رهن مستقبله به، إلى طريق مسدود، "فالمشروع الصهيوني" طبيعته واضحة، وهو لا يعطي شيئًا بعد أن "أعطته" السلطة "كل شيء".
ويرى علي، أن قيادة السلطة ومنظمة التحرير يتم تغيير أعضائهما "وفقا لمزاج معين أو رغبات ما"، قائلا إن المنظمة "مختطفة"؛ وفق تعبيره.
ويعتقد من ناحية سياسية، أن عباس لا يستطيع رفض ما يعرف بـ"صفقة القرن" التي تعدها الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب، ولذلك يسعى إلى تحويل المفاوضات إلى الرعاية الدولية، وهذه تجربة فشلت سابقا.
هي إذًا مفارقة، فالمجلس الذي يحمل اسم "الوطني" يُقصي قوى كبرى في الساحة الفلسطينية، ويضرب بالتفاهمات الوطنية ومنها مخرجات لقاء بيروت، عرض الحائط.

