​بالإفراج عن أسامة أبو الجديان

الثلاثي المنتقم لـ"عمال انتفاضة 87".. أحرار خارج السجون

...
الأسير المحرر أسامة أبو الجديان قبل وبعد الأسر
غزة- أدهم الشريف

من المؤكد أن عينيك ستتعلقان بصورة المحرر أسامة أبو الجديان حين كان في ريعان الشباب، إن ذهبت إلى منزله شمالي قطاع غزة، لكن إن نظرت إليه بعد 30 سنة قضاها أسيرًا لدى الاحتلال الإسرائيلي؛ ستدرك أن الشيب في رأسه خطَّ أعلى معاني الصمود خلف قضبان السجون.

الآن، أصبح أبو الجديان (51 عامًا) حرًا، وهو يستقبل المهنئين بإطلاق سراحه في خيمة نصبت أمام منزله، وعلقت في كل زاوية منها صورة له حين كان شابًا قبل اعتقاله، وحين أصبح مسناً.

وتدرك العائلة مدى الظلم الذي لاقاه أسامة، غير أنها سعيدة بالإفراج عنه ولو جاء ذلك بعد غياب طويل يفوق عدد الأعوام التي قضاها بين ذويه.

وخرج أسامة المنتمي لحركة "فتح" من سجون الاحتلال، الخميس الماضي، بموكب عسكري مهيب.

وبذلك اكتملت حرية الثلاثي أبو الجديان، قاتلي جندي الاحتياط الإسرائيلي قرب (تل أبيب) داخل الأراضي المحتلة سنة 48، وأصبحوا طلقاء من قبضة (إسرائيل).

وكان حسام وهو شقيق أسامة تحرر في صفقة تبادل "وفاء الأحرار" نهاية 2011، ومن قبله مروان أبو الجديان ابن عمهما.

ويتذكر حسام جيدًا تفاصيل اعتقالهم وما لاقوه من تعذيب ما زالت آثاره تحتل مساحات من أجسادهم وذاكرتهم.

ويقول حسام، إنه في يوليو/ تموز لعام عام 1987، استشهد أحمد أبو الجديان (ابن عم الثلاثي الحر)، خلال عمل مقاوم بغزة.

أثار ذلك غضب الشبان الثلاثة وحرك فيهم حس الانتقام في وقت قتلت فيه قوات الاحتلال 6 عمال فلسطينيين، نهاية ذلك العام، واندلعت على إثر ذلك انتفاضة الحجارة، فقرر هؤلاء تنفيذ عملية على طريقتهم الخاصة.

تمكنوا بعد شهر من اندلاع الانتفاضة من التسلل إلى الأراضي المحتلة، وبالتحديد إلى مدينة (تل أبيب) في يناير/ كانون الثاني 1988، كما يقول حسام لـ"فلسطين".

واستطاع هؤلاء تنفيذ عدة عمليات استهدفوا فيها جنود الاحتلال وضباطه في غزة قبل خروجهم منها في ذلك الحين.

تتسع عينا حسام وهو يتحدث مستذكرًا تلك الأيام التي حفرت حيزًا لها في الذاكرة رغم مرور 3 عقود على الحادثة التي رواها كما لو أن الحدث أمامه الآن.

"بعد أن تسللنا إلى أراضي الـ48، استطعنا رصد جندي إسرائيلي في شارع يفصل بين مدينتي القدس و(تل أبيب) المحتلتين".

لاحقًا تمكن الثلاثي من خطف الجندي وقتله باستخدام أسلحة بيضاء استطاعوا تهريبها معهم آنذاك.

"لا يمكن وصف فرحتنا بقتله (جندي الاحتياط)" يقول حسام الذي يرتدي زيًا عسكريًا: "كانت أول عملية داخل أراضي 48 باستخدام السلاح الأبيض، وشكلت شرارة انطلاق سلسلة من العمليات في الداخل".

لم يمر وقت طويل على فرارهم، حتى استطاعت قوات الاحتلال اعتقالهم والزج بهم في أقبية التحقيق في 14 يناير/ كانون الثاني لعام 1988.

كانت أعمار الثلاثة تتراوح بين 17- 21 عامًا.

ويقلب حسام كفيه، ويطلب النظر إلى أصابعه التي تظهر عليها آثار التعذيب، وهو ما زال يتذكر جيدًا كيف كان يقتلع أحد ضباط السجون أظافره واحدًا تلو الآخر في أثناء التحقيق.

ويقول: إن ما تعرضت له، واجهه أيضًا أسامة ومروان في أقبية التحقيق والتعذيب. واستمرت انتهاكات الاحتلال بحقنا أشهرًا طويلة لإجبارنا على الاعتراف بأشياء لم نقم بها، لكن لم يتمكن من ذلك، وحكم علينا في النهاية على إثر عملة قتل جندي الاحتياط".

حتى داخل السجون، فضل الاحتلال إبعاد الأسرى الثلاثة عن بعضم، حتى يمارس انتهاكاته بحق كل واحد منهم كما يحلو له.

وأمضى حسام 4 سنوات، معزولاً انفراديًا، بادعاء أنه يشكل خطر أمني على (إسرائيل) وإدارة السجون، من أصل 24 سنةً مدة المحكومية -قضاها كاملة إلا سنتيْن منها- قبل الإفراج عنه في صفقة تبادل الأسرى "وفاء الأحرار"، نهاية 2011.

أما أسامة، المحرر حديثًا بعد أسره لمدة 30 سنة، أمضى سنوات عمره متنقلاً بين السجون بقرار من الاحتلال، لكن بعضها قضاها في سجني النقب الصحراوي، وعسقلان.

ويقول أسامة إنه لاقى تعذيبًا شديدًا في أثناء التحقيق معه، وعانى من التنقلات والإهمال الطبي المتعمد من إدارة السجون.

غير أن ذلك زاد من إصراره على الصمود في مواجهة انتهاكات إدارة السجون، حتى نال حريته.

في حين أن مروان، حكم عليه الاحتلال بعد تعذيبه بشدة؛ بالسجن لمدة 10 سنوات قضاها وتحرر من قبضة السجان.

ويبدو الثلاثي حذرًا من غدر الاحتلال بحقهم، وهم على قناعة أن (إسرائيل) لن تتركهم بعد إطلاق سراحهم.

كما يصرون على أن "الاحتلال لا يفهم إلا لغة القوة، وأن تحرير الأسرى لن يكون إلا بأسر الجنود ومبادلتهم بأسرى".

"لو تمكنت من تنفيذ عملية أسر جندي إسرائيلي، فلن أتأخر لحظة واحدة، حتى أطلق سراح الأسرى أصحاب المؤبدات والمصابين والمرضى القابعين خلف القضبان" يقول حسام.

وكان الأسير المحرر حسام يرتدي اللباس العسكري لاستقبال المهنئين بتحرر أخيه، في حين وقف بجانبه ابن عمه المحرر مروان وملأت وجهه ابتسامة واسعة وهو ينظر إلى المحرر الجديد أسامة أبو الجديان حين كان يتقدم مهنئيه بالحرية.

ويتمنى الثلاثي الحر، لو أن هذا المشهد يعم بيوت أهالي الأسرى حين يتحرر أكثر من 6.5 آلاف أسير من قيد السجان.