فلسطين أون لاين

تقرير أزمة الغلاء في غزة… سوق محاصر بين القيود والاحتكار

...
نقص المعروض في الأسواق أدى إلى ارتفاع أسعار بعض السلع إلى أكثر من خمسة أضعاف
غزة/ رامي رمانة:

يتصاعد الغلاء في قطاع غزة بصورة غير مسبوقة، في ظل استمرار القيود المشددة على إدخال البضائع عبر المعابر. وبين نقص السلع وارتفاع تكاليف إدخالها، يجد المواطن نفسه أمام سوق يهيمن عليه عدد محدود من التجار، الأمر الذي يفاقم أزمة الأسعار ويزيد من الأعباء المعيشية على آلاف الأسر التي تعاني أصلًا من تداعيات الحرب والحصار.

ويشهد القطاع ارتفاعًا حادًا في أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية، في وقت يعاني فيه السكان من أوضاع اقتصادية وإنسانية متدهورة نتيجة الحرب المستمرة والحصار المفروض على القطاع.

ويقول مواطنون إن الأسواق تشهد قفزات كبيرة في الأسعار، وسط شح في بعض السلع الأساسية، الأمر الذي يجعل توفير الاحتياجات اليومية عبئًا متزايدًا على الأسر، خاصة في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع معدلات الفقر.

وتشير مصادر اقتصادية إلى أن إدخال البضائع إلى قطاع غزة أصبح يعتمد بشكل أساسي على ما يعرف بـ"التنسيقات"، وهي تصاريح محددة تسمح للتجار بإدخال الشاحنات عبر المعابر. غير أن عدد التجار المسموح لهم بالحصول على هذه التنسيقات تقلص إلى نحو 15 تاجرًا فقط، ما جعل السوق عرضة لاحتكار فعلي أسهم في رفع الأسعار بشكل ملحوظ

وتوضح تقديرات محلية أن تكلفة الحصول على التنسيق تُضاف مباشرة إلى سعر السلع، ما يؤدي إلى زيادة العبء على المستهلكين. كما أن عدد الشاحنات المسموح بدخولها يوميًا لا يغطي سوى جزء محدود من احتياجات السوق، الأمر الذي يزيد من الضغط على الأسعار ويعمّق أزمة التضخم في القطاع.

ارتفاع الأسعار

وبحسب مصادر محلية، يتحكم عدد محدود من التجار – لا يتجاوز 15 تاجرًا – في إدخال السلع إلى قطاع غزة، بينهم تجار داخل القطاع وخارجه.

ومن بين الأسماء المتداولة في هذا السياق مصطفى مسعود ومحمود الخزندار وأكرم السوافيري وبكر أبو حليمة، إضافة إلى تجار محليين مثل رائد ومحمود أبو مرعي وعيادة الريفي، الذين يُتهم بعضهم بالمساهمة في تأجيج أزمة الأسعار داخل الأسواق.

وتسمح سلطات الاحتلال لكل تاجر بإدخال أربع تنسيقات فقط، كما تفرض قيودًا على الشركات الإسرائيلية التي يمكن التعامل معها، وهو ما يمنحها سيطرة كبيرة على حركة التجارة ويضعف قدرة آلاف التجار المحليين على المنافسة، حيث يضطر كثير منهم إلى شراء البضائع عبر أصحاب التنسيقات بتكاليف مرتفعة.

ويقول الخبير في الشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر إن قيمة التنسيق الواحد قد تصل أحيانًا إلى أكثر من 500 ألف شيكل، الأمر الذي يرفع تكلفة إدخال السلع ويؤدي في النهاية إلى زيادة أسعارها على المستهلكين.

ويضيف أبو قمر، لصحيفة "فلسطين"، أن الأسواق في غزة تشهد حالة غلاء غير مسبوقة منذ اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، موضحًا أن التنسيقات التي كان يفترض أن تسهّل إدخال البضائع تحولت عمليًا إلى سلعة قائمة بذاتها تُباع وتُشترى بين التجار بمبالغ كبيرة.

ويشير إلى أن إجمالي الأموال المدفوعة مقابل هذه التنسيقات منذ بداية الحرب تجاوز مليارًا وربع المليار دولار، ما يعكس حجم السوق الموازية التي نشأت نتيجة القيود المفروضة على إدخال البضائع.

تأثير تقليص التجار

بدوره، يرى المختص الاقتصادي سمير الدقران أن تقليص عدد التجار المسموح لهم بإدخال البضائع ينعكس بشكل مباشر على ارتفاع الأسعار داخل السوق.

ويقول الدقران لـ"فلسطين": "عندما يكون عدد التجار محدودًا، تقل الكميات المتاحة من السلع وترتفع الأسعار، كما تصبح المنافسة شبه معدومة".

ويضيف أن السماح لعدد أكبر من التجار بإدخال البضائع سيؤدي إلى تنوع السلع وزيادة المعروض منها، وهو ما يخلق منافسة حقيقية تسهم في خفض الأسعار وتخفيف الأعباء عن المستهلكين.

ويؤكد أن هناك عوامل متعددة تؤثر في التضخم داخل القطاع، إلا أن العامل الأبرز يبقى القيود المفروضة على إدخال البضائع، والتي أدت إلى ارتفاع الأسعار بشكل يفوق قدرة الأسر على تحمّله.

وتشير تقارير محلية إلى أن عدد الشاحنات التي يسمح بدخولها يوميًا إلى قطاع غزة لا يغطي سوى أقل من ربع احتياجات السوق، في ظل طلب متزايد على السلع الأساسية. وقد أدى هذا الخلل بين العرض والطلب إلى ارتفاع أسعار بعض المواد الغذائية إلى أكثر من خمسة أضعاف مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب.

ويضيف أبو قمر أن هذه الظروف جعلت المواطن يدفع ثمنًا مضاعفًا، إذ يتحمل سعر البضاعة نفسها إلى جانب تكاليف التنسيق التي يدفعها التاجر، والتي تُضاف مباشرة إلى سعر البيع النهائي في الأسواق.

مقترحات لتخفيف الأزمة

ويؤكد خبراء اقتصاديون ضرورة توسيع عدد التجار المسموح لهم بإدخال البضائع إلى قطاع غزة، والسماح بدخول كميات وأنواع أكبر من السلع لتخفيف حدة الأزمة.

كما يشدد الدقران على أهمية إزالة القيود التي تحد من حركة التجارة وتقليل الرسوم والتكاليف المفروضة على التجار، بما يسهم في استقرار الأسواق والحد من التضخم.

ويرى أن معالجة أزمة الأسعار في غزة لا تقتصر على ضبط الأسواق فقط، بل تتطلب أيضًا تحسين تدفق البضائع وفتح المجال أمام منافسة أوسع بين التجار، بما يحقق توازنًا أفضل بين العرض والطلب ويضمن حصول المواطنين على احتياجاتهم الأساسية بأسعار معقولة.

المصدر / فلسطين أون لاين