فلسطين أون لاين

في أقسام الطوارئ.. مشاهد لا يمحوها الزمن

...
صورة أرشيفية
غزة - هدى الدلو

العمل في وظائف الطوارئ الطبية والدفاع المدني يحتاج إلى جهد مكثف وعمل متواصل، ومن شأنها أن تؤثر على صحة القلب.. هذا ما جاء في دراسة ألمانية حديثة، حيث أوضح الباحثون أن وظائف الخدمات الطارئة تتطلب في كثير من الأحيان عملاً متواصلاً طوال اليوم، الأمر الذي يتسبب في حرمان من يعملون في هذا القطاع من النوم، أو أنهم لا يتمكنون من النوم إلا فترات قليلة خلال اليوم، وهذا يؤثر سلبًا على صحّة القلب، وإذا أردنا أن ننظر في شأن العمل في الطوارئ في قطاع غزة، فهناك معاناة أخرى لم ترد في الدراسة، وهي العمل في ظل نقص الإمكانيات وفي أوقات الحروب، وهذا ما نتحدث عنه في سياق التقرير التالي..

بلا انقطاع

رئيس قسم التخدير في مجمع الشفاء الطبي الدكتور تيسير يونس قال: "المهن الطبية هي مهن إنسانية تتعامل مع أرواح بشرية، لذا يكون الهمّ الأول والأخير للطبيب هو المريض والمحافظة على صحته، خاصة أننا نتعامل مع أشياء لم ترد في كتب الطب بحكم عملنا في مستشفيات القطاع الذي يعاني من أوضاع صعبة، فنرى مشاهد الأطفال والنساء والمسنين جرحى، بالإضافة إلى الحصار ونقص الإمكانيات، مما يؤثر على الخدمات التي نقدمها للمرضى، ويكون لهذا التأثير الأكبر على نفسياتنا".

وأضاف لـ"فلسطين": "وإلى جانب ضغط العمل في مجال الطوارئ، والتوتر الملازم له، فإن المشاهد الصعبة التي نراها لا تغادر ذاكرتنا".

وتابع: "هذه الظروف تجعل من العمل في أقسام الطوارئ في مستشفيات غزة عملًا من نوعٍ آخر، لما يواجه الطبيب من تحديات وعقبات تضعه أمام مسئولية كبيرة، مما يجعله ينهار من ناحية نفسية وصحية في بعض الأوقات، فتؤثر على صحة قلبه، بالإضافة إلى العصبية والتوتر، وارتفاع ضغط الدم، والإرهاق العام".

وواصل: "الطوارئ بوابة المستشفى، فهذا القسم يستقبل كل المرضى الوافدين له، ويقوم بتوزيعهم، ما يفرض على الطبيب العامل في هذا القسم بذل جهد مضاعف، يضعه تحت طائلة الضغط والتوتر، إضافة إلى التعب الجسدي.

وبحسب يونس، فالأصل أن يكون العمل في قسم الطوارئ قائمًا على نظام المناوبات، بحيث لا تزيد فترة عمل الطبيب على ثماني ساعات، لافتًا إلى أن طبيب الطوارئ في غزة يعمل في بعض الأحيان لثلاثين ساعة متواصلة.

وأوضح يونس أنه في العدوان الأخير على قطاع غزة لم يغادر المستشفى لمدة 22 يومًا، واستمر في مواصلة عمله طيلة تلك الفترة، إلى جانب أنه لم يتذوق طعم الراحة والنوم لمدة أربعة أيام متواصلة، لأن جلّ تفكيره يكون في إنقاذ حياة المريض، ويغلّب مصلحة المريض على نفسه.

وبين: "قد يكون العمل المتواصل دون التفكير في النفس أو الأهل أمرًا لا مفر منه، خاصة عندما عدد كبير من المرضى يدخل المستشفى دفعة واحدة، فلا يكون أمامه مجال لفعل شيء سوى التفكير بهؤلاء".

ولفت إلى أن طبيب الطوارئ يرى ما يقارب 300 حالة خلال فترة مناوبته، مؤكدا: "أيا كانت الظروف التي أجبرت الطبيب على العمل بهذا الشكل فهو يتأثر ويتأقلم على ما يراه كجزء من طبيعة البشر، ناهيك عن تفكيره في أهل بيته وقلقه عليهم".

تعب وأرق

أما الدكتورة إيمان المناصرة التي تركت العمل في قسم الطوارئ، فقالت لـ"فلسطين": "العمل كطبيب ليس أمرًا سهلًا للغاية، بل يتطلب من الفرد جهدًا عقليًا وجسديًا ونفسيًا، وخاصة عندما يكون عمله في الطوارئ، وخلال عملي القصير في هذا القسم لمدة قصيرة وهي أربعة شهور واجهت الكثير من الصعوبات".

وأضافت: "المناوبات الليلية هي جزء أساس من طبيعة العمل في قسم الطوارئ، وهذا يعني السهر ونقص النوم، ومما يؤثر على الساعة البيولوجية للجسم ويصيبه بالتعب والارهاق، وباعتقادي أن هذا يؤثر سلبًا على القلب، ويجعل الطبيب تحت حالة من الضغط المستمر مما يؤثر على صحته البدنية والنفسية".

وبينت المناصرة أن أي طبيب يواجه هذه الصعوبات في البداية، لكن البعض سرعان ما يتغلب عليها عن طريق التأقلم وكسب الخبرات، ومن خلال أيضًا استغلال الوقت والتوزيع العادل للمهام، حتى بالنسبة للمجهود الذي يبذله فهو يصبح أسلوب حياة، ولكن البعض الآخر تجده من الصعب عليه التأقلم والاعتياد على ذلك.

سلّة الأمراض

بينما المسعف محمود قعدان تحدث عن معاناة العمل في قسم الطوارئ وخاصة في الإسعاف، إذ إن عمله المتواصل منذ سنوات كمسعف كانت نتيجته "سلّة" من المشاكل الصحية وعلى رأسها إصابته بالغضروف والدوالي.

وقال لـ"فلسطين": "في أوقات السلم يكون العمل خفيفًا، فنعمل بأريحية ووفق قواعد السلامة ومعاييرها، ولكن في وقت الحرب كل ذلك نضعه جانبًا ويكون همنا الأول والأخير هو إنقاذ حياة الجرحى، فكنتُ أهمل نفسي وأحملها أكثر من طاقتها برفع أوازن كبيرة من الردم والجرحى".

وأضاف قعدان: "هذا إلى جانب أننا كنا نعمل، في أوقات الحروب، مدة 24 ساعة متواصلة دون راحة أو نوم، وفي كثير من الأحيان كنا نكسر صيامنا في شهر رمضان بكأس من الماء أثناء توجهنا لحدث ما، وكل هذا له تأثيرات صحية ونفسية سلبية".

وأوضح قعدان: "كنت أحيا في مشاعر متناقضة بين خوف وتعب وحزن وفرح، فالخوف يكون من ألا أعود سليمًا بعد توجهي لأي حدث، والتعب لاستمرار العمل لفترات طويلة، والحزن ينتج عن رؤية الشهداء والثكالى والأرامل والأطفال والجرحى، فيما يكون الفرح بإنقاذي العديد من الأرواح بعد إتمام مهمتي".