قد يمرّ الإنسان أحيانًا بحالة من التناقض بين المبادئ التي يؤمن بها والممارسات التي يسلكها في حياته، وقد يبحث لنفسه عن مبررات تجعله يتجاوز هذا التناقض دون أن يتوقف طويلًا أمامه.
غير أن بعض السلوكيات تتجاوز حدود التناقض العابر، لتكشف عن ظاهرة أعمق تستحق التأمل، وهي أن يكرر الإنسان كذبته حتى يصدقها.
لا تكمن خطورة الكذب في مجرد مخالفة الحقيقة، بل في المسار الذي يسلكه الإنسان بعد ذلك. فقد يبدأ الأمر بكذبة يعرف صاحبها أنها كذبة، ثم يسعى إلى تبريرها تدريجيًّا، حتى تتشكل في نظره بوصفها حقيقة. وعندئذٍ، لا يعود مضطرًّا إلى استحضار الحقيقة التي عرفها في البداية، بل يتعامل مع رواية بديلة كما لو كانت هي الواقع نفسه.
وهنا تبرز مفارقة تستحق التأمل: كيف ينتقل الإنسان من تعمّد الكذب إلى الإيمان به؟ وكيف تتحول محاولة خداع الآخرين إلى خداع الذات؟ إن هذه الظاهرة لا تتعلق بالسلوك الأخلاقي وحده، بل تثير أسئلة تتصل ببنية النفس الإنسانية، وقدرة الإنسان على مواجهة الحقيقة، والآليات التي يلجأ إليها لتبرير مواقفه وحماية صورته أمام نفسه.
ولا يمكن الجزم بأن كل من يصدق كذبته يعاني اضطرابًا نفسيًّا بالمعنى السريري؛ فقد يرتبط الأمر بعوامل مختلفة، مثل التبرير الذاتي والإنكار والتكرار المستمر للرواية نفسها، إضافة إلى تأثير المحيط الاجتماعي في تشكيل قناعات الفرد.
غير أن الانتقال من معرفة الحقيقة إلى بناء تصور يناقضها يمثل مشكلة أخلاقية وفكرية عميقة لا ينبغي الاستهانة بها.
وإذا كانت هذه الظاهرة مقلقة على مستوى الفرد، فإنها تصبح أكثر تعقيدًا حين تنتقل من المجال الفردي إلى المجال الجماعي، ولا سيما حين تتعلق ببُنى تنظيمية أو جماعات ذات أهداف فكرية أو سياسية أو دينية.
فليس الفرد وحده من قد يصدق كذبته، بل قد تصل الجماعة أيضًا إلى مرحلة تصدّق فيها الرواية التي صنعتها، قبل أن تسعى إلى إقناع الآخرين بها.
فقد تلجأ جماعة ما إلى تقديم رواية معينة عن نفسها أو عن الأحداث المحيطة بها، بهدف تبرير موقف اتخذته، أو المحافظة على صورتها أمام جمهورها، أو تحقيق غاية تسعى إليها.
وفي البداية، قد يكون القائمون على هذه الرواية مدركين للفارق بين ما يقولونه وما يعرفونه من حقائق. غير أن استمرار تكرار الرواية والدفاع عنها وتفسير الأحداث من خلالها قد يؤدي إلى نشوء حالة من التصديق الذاتي الجماعي.
وعندئذٍ، لا تقتصر المسألة على محاولة إقناع الآخرين برواية غير صحيحة، بل قد تتجاوزها إلى تشكّل قناعة داخلية لدى الجماعة نفسها.
ومن منظور علم النفس الاجتماعي، يمكن تناول هذه الظاهرة في إطار مفاهيم مثل التفكير الجماعي والانحياز التأكيدي والتبرير الجماعي للمواقف.
ولا يعني ذلك أن كل جماعة تتبنى رواية خاطئة تعاني حالة نفسية واحدة، بل إن المقصود هو التنبيه إلى أن الجماعات، شأنها شأن الأفراد، ليست بمنأى عن آليات الإنكار والتبرير وخداع الذات.
وتكمن خطورة هذه الحالة في أن تصحيح الخطأ يصبح أكثر صعوبة كلما تحولت الرواية إلى جزء من هوية الجماعة وتماسكها الداخلي.
فقد لا يُنظر إلى مراجعة المواقف حينئذٍ بوصفها ضرورة أخلاقية وفكرية، بل باعتبارها تهديدًا لصورة الجماعة عن نفسها. وقد يُفسَّر الاعتراف بالخطأ على أنه ضعف أو تراجع أو إخلال بالولاء، بدلًا من اعتباره دليلًا على الشجاعة والنزاهة.
وهكذا يمكن أن تتحول الكذبة من وسيلة لتبرير موقف إلى إطار ذهني يحكم رؤية الجماعة للواقع. وعندما يحدث ذلك، لا تعود المشكلة محصورة في الكذب الأول، بل تمتد إلى سلسلة من المواقف والقرارات التي تُبنى على تصورات غير صحيحة، فتترتب عليها أضرار قد تطال الأفراد والعلاقات والمؤسسات.
وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة حين تتعلق بأفراد أو جماعات تعمل في المجال الإسلامي؛ لأن العلاقة بين المبادئ المعلنة والممارسات الفعلية تمثل أحد المعايير الأساسية للحكم على مدى اتساق العمل مع القيم التي يستند إليها.
ومن هنا، يحق لنا أن نتساءل: لماذا يلجأ إنسان يعمل في المجال الإسلامي إلى الكذب؟ وكيف يمكن لمن يرفع شعار الحق أن يتعامل مع الحقيقة باعتبارها أمرًا قابلًا للتغيير وفقًا لمقتضيات المصلحة أو متطلبات الموقف؟ ثم كيف يمكن أن تتطور هذه الحالة حتى يصبح الفرد أو الجماعة مقتنعًا بالرواية التي تخالف الحقيقة؟
إن هذه الأسئلة لا تستهدف التشكيك في كل عمل إسلامي أو الطعن في نيات العاملين فيه، وإنما تنطلق من ضرورة إخضاع الممارسات لمعيار الصدق الذي تقتضيه المبادئ الإسلامية نفسها. فالانتساب إلى مشروع ديني أو رفع شعارات إسلامية لا يعفي الإنسان من مسؤولية مراجعة سلوكه، ولا يمنح الجماعة حصانة أخلاقية تحول دون مساءلتها عن مواقفها وأفعالها.
بل إن خطورة التناقض تزداد حين يكون الصدق من القيم التي تدعو إليها الجماعة نفسها. فكيف يستقيم أن يدعو الإنسان إلى الحق، ثم يلجأ إلى الكذب لتبرير مواقفه؟ وكيف يمكن لجماعة أن تتحدث باسم القيم الإسلامية، ثم تبني بعض تصوراتها أو قراراتها على روايات لا تتفق مع الحقيقة؟
إن المشكلة هنا ليست في وقوع الخطأ وحده؛ فالخطأ قد يقع من الإنسان، وقد تخطئ الجماعة في تقدير موقف أو فهم حدث. وإنما تكمن المشكلة الحقيقية في الإصرار على الخطأ بعد ظهور الحقيقة، وفي تحويل التبرير إلى وسيلة للهروب من الاعتراف بها، ثم بناء مواقف جديدة على ذلك التبرير.
فالاعتراف بالخطأ لا ينتقص من قيمة الإنسان أو الجماعة، بل قد يكون الخطوة الأولى نحو الإصلاح. أما الإصرار على رواية غير صحيحة، ومحاولة فرضها على الآخرين، ثم تصديقها مع مرور الوقت، فإنه يضعف القدرة على المراجعة ويجعل الإصلاح أكثر تعقيدًا.
ولعل التأمل في سورة الفاتحة يكشف جانبًا مهمًّا من هذه المفارقة. فالمسلم يقرأ سورة الفاتحة في صلواته الخمس، فيحمد الله رب العالمين، ويقر بأنه مالك يوم الدين، ثم يعلن إيمانه بالعبودية لله والاستعانة به، ويسأله بعد ذلك الهداية إلى الصراط المستقيم.
إن طلب الهداية ليس مجرد ترديد لفظي، بل هو تعبير عن حاجة الإنسان إلى أن يستقيم فهمه وسلوكه، وأن تكون حياته أقرب إلى الحق والصواب.
ومن هنا، يبرز سؤال جوهري: كيف يطلب الإنسان الهداية إلى الصراط المستقيم، ثم يبني حياته على الكذب؟ وكيف يمكن لجماعة تكرر هذا الدعاء يوميًّا أن تتعامل مع الحقيقة بطريقة تناقض ما تطلبه من هداية واستقامة؟
إننا أمام مفارقة واضحة بين الدعاء والممارسة، وبين المبدأ المعلن والسلوك الفعلي. فالمسلم الذي يسأل الله الهداية ينبغي أن يكون مستعدًّا لمراجعة نفسه، والاعتراف بأخطائه، والعودة إلى الحق متى تبيّن له.
أما أن يطلب الهداية بلسانه، ثم يصر على تبرير الكذب في حياته، فإن ذلك يكشف عن خلل في العلاقة بين ما يعلنه من إيمان وما يمارسه من سلوك.


