منذ ساعات الفجر الأولى، يصطف مواطنون في طوابير طويلة أمام نقاط بيع الخبز في مدينة خان يونس، جنوبي قطاع غزة، في محاولة لتأمين احتياجات أسرهم، وسط شح الطحين وتراجع كميات الخبز المتاحة، بالتزامن مع القيود المفروضة على دخول البضائع، وتقليص برنامج الأغذية العالمي مساعداته الغذائية بزعم نقص التمويل.
وتدفع الأزمة عائلات إلى الانتظار لساعات دون ضمان الحصول على الخبز، في وقت لا تكفي فيه الكميات التي تتمكن من شرائها لتلبية احتياجات جميع أفرادها، في حين يواجه آخرون ارتفاعاً حاداً في أسعار الطحين وصعوبة في شرائه من الأسواق، مع تراجع قدرتهم الشرائية بفعل تداعيات الحرب والنزوح وفقدان مصادر الدخل.
وفي محاولة للتخفيف من الأزمة، وصلت قافلة مساعدات مصرية محملة بأكياس الطحين، أمس، إلى منطقة الزوايدة وسط القطاع، بإشراف فلسطينيين ومسؤولين من اللجنة المصرية لإغاثة أهالي غزة، في إطار جهود دعم المخابز وتوفير الطحين اللازم لاستمرار إنتاج الخبز، وسط استمرار النقص الحاد في الإمدادات الغذائية.
لكن وصول القافلة يأتي في وقت تزداد فيه احتياجات السكان، وتواجه فيه المخابز صعوبات في تأمين مخزون يكفي لمواصلة العمل، ما يجعل توفير كميات منتظمة من الطحين وتوسيع توزيع الخبز من أبرز التحديات أمام الاستجابة للاحتياجات اليومية.
ويقول وليد فياض، (55 عاماً)، إن المواطنين سارعوا إلى محاولة تأمين احتياجاتهم من الخبز بعد سماع أنباء إغلاق الطرق والمعابر، خشية نفاد الكميات المتاحة وتعذر الحصول عليها لاحقاً.
ويوضح لصحيفة "فلسطين" أن إغلاق المعابر وعدم توفر الطحين أديا إلى تراجع عدد المخابز العاملة، بعدما كان الخبز متاحاً في أكثر من نقطة، مشيراً إلى أن المواطنين باتوا يواجهون صعوبة أكبر في الحصول عليه مع تقلص أماكن التوزيع واشتداد الازدحام.
ويضيف فياض أن الطوابير تبدأ بالتشكل منذ صلاة الفجر، حيث يتجمع السكان في انتظار دورهم، وسط مخاوف من نفاد الكميات قبل وصولهم إلى نقطة البيع.
ويعكس هذا المشهد حجم الضغط على الأسر التي أصبح تأمين الخبز بالنسبة إليها مهمة يومية تستنزف الوقت والجهد، دون ضمان العودة إلى المنزل بما يكفي لإطعام جميع أفراد العائلة.
بين المنتظرين، تقف آلاء أبو عاصم، (17 عاماً)، وهي نازحة من منطقة الزنة شرق خان يونس، لتأمين الخبز لعائلتها المكونة من عشرة أفراد، في رحلة يومية تختصر جانباً من معاناة الأطفال والشباب في قطاع غزة.
وتقول آلاء لـ"فلسطين": "إحنا 10 أفراد في البيت، يعني الربطة إن كفت بتكفي وجبة واحدة، أو وجبة ونص يعني"، موضحة أن الأسرة قد تعود من المخبز دون الحصول على الخبز بسبب نفاد الطحين وانتهاء الكميات المتاحة.
وتضيف أنها تأتي إلى الطابور منذ صلاة الفجر تقريباً، في محاولة لضمان الحصول على ما يسد جزءاً من احتياجات أسرتها، وسط مشهد من الانتظار والازدحام.
وتشير الفتاة إلى أن الوقت الذي كان يفترض أن تقضيه في الدراسة وممارسة حياتها اليومية أصبح يذهب في الوقوف على دور الخبز، قائلة إن الحياة في غزة صعبة، وإن تأمين الاحتياجات الأساسية بات يفرض نفسه على تفاصيل يومهم.
ولا تقتصر المعاناة على ساعات الانتظار، إذ تواجه الأسرة المكونة من عشرة أفراد تحدياً إضافياً يتمثل في عدم كفاية الكميات المتاحة لتغطية احتياجاتها، ما يضطرها إلى تدبير وجباتها وفق ما تستطيع الحصول عليه.
من جانبه، يقول محمد الشريف (48 عاماً)، إن كميات الخبز التي يحصل عليها المواطنون لا تكفي احتياجات أسرهم، مستشهداً بعائلته المكونة من تسعة أفراد، ومتسائلاً كيف يمكن لربطة واحدة أن تغطي احتياجاتهم من الإفطار والغداء والعشاء.
ويوضح الشريف أن المواطنين ينتظرون منذ الساعة السادسة صباحاً للحصول على الخبز، لكنهم لا يحصلون عليه دائماً، ما يدفعهم إلى التنقل بين نقاط التوزيع المختلفة، وسط ازدحام ومعاناة متكررة.
ويشير إلى أن سعر كيس الطحين المدعوم ارتفع، من نحو 50 شيكلاً إلى 150 شيكلاً، وهو مبلغ يصعب على كثير من الأسر توفيره في ظل الأوضاع الاقتصادية الراهنة وشح المواد الغذائية الأخرى.
ويطالب الشريف بزيادة كميات الطحين والمساعدات المخصصة للمخابز، ودعم استمرار عملها، إلى جانب زيادة عدد نقاط التوزيع في مختلف مناطق خان يونس، بما يخفف الازدحام ويساعد على وصول الخبز إلى عدد أكبر من السكان.
وفي منطقة الزوايدة، وصلت قافلة مساعدات مصرية محملة بأكياس الطحين، أمس، بإشراف فلسطينيين ومسؤولين من اللجنة المصرية لإغاثة أهالي قطاع غزة، بهدف دعم المخابز والتخفيف من أزمة نقص الطحين والخبز.
وتأتي هذه الخطوة مع تراجع الإمدادات الغذائية والقيود على دخول البضائع التجارية، بينما تتزايد المخاوف من توقف مزيد من المخابز إذا لم تتوفر كميات كافية من الطحين بصورة منتظمة.
وتتطلب مواجهة الأزمة، وفق مطالب المواطنين، زيادة الإمدادات المخصصة للمخابز، وتوسيع نقاط توزيع الخبز، وضمان وصول المساعدات إلى المناطق ذات الاحتياجات المتزايدة، إلى جانب معالجة نقص المواد الغذائية الأساسية وارتفاع أسعارها.
وبين طوابير تبدأ مع الفجر وقافلة طحين تصل إلى وسط القطاع، تتواصل معركة العائلات الفلسطينية اليومية لتأمين الخبز. فبالنسبة إلى أسرة من عشرة أفراد، قد لا تكفي ربطة واحدة سوى لوجبة، في حين يظل الانتظار الطويل بلا ضمان للحصول عليها عبئاً إضافياً في حياة أنهكتها الحرب والنزوح.



