فلسطين أون لاين

في غزة.. طوابير الفجر لا تضمن الحصول على الخبز

...
في غزة.. طوابير الفجر لا تضمن الحصول على الخبز
غزة/ مريم الشوبكي:

قبل وصول شاحنة الخبز إلى نقطة التوزيع، يكون هاشم اسليم (45 عامًا) قد غادر خيمته في شارع الوحدة بمدينة غزة ووقف في الطابور.

يتقدم الوقت، ويتزايد المنتظرون، في حين لا يضمن وصول الشاحنة أن يعود إلى أسرته بربطة خبز؛ فالكميات المتاحة لم تعد تكفي الجميع.

منذ تقلّص الإمدادات، بات اسليم يخرج بعد صلاة الفجر ليحجز مكانًا في الطابور، بعدما كان يستطيع العودة إلى النقطة قرابة الحادية عشرة صباحًا إذا لم يحصل على الخبز في المحاولة الأولى.

وتصل الحافلة المحملة بالخبز نحو الثامنة صباحًا، وفق إفادته، لكن عدد الربطات المحدود يجعل الانتظار الطويل غير كافٍ لضمان الحصول عليها.

ويقول اسليم لصحيفة "فلسطين" : «أجد كثيرين أمامي، وقد أعود من دون خبز. لدي أربع طفلات يحتجن إلى شطائر قبل الذهاب إلى المدرسة، ولا أستطيع تركهن من دون طعام». ويضيف أنه يضطر إلى العودة يوميًا للحصول على بطاقة معدنية مقابل ثلاثة شواقل، تتيح له الحصول على ربطة في اليوم التالي، بحسب الآلية المتبعة في نقطة التوزيع التي يقصدها.

كميات متراجعة

في شارع الصحابة بحي الدرج شرقي مدينة غزة، يواجه عادل حرز، موزع الخبز، ضغطًا متزايدًا من السكان الذين يقصدون محله، وهو بقالة اعتُمدت نقطةً للتوزيع قبل نحو شهر.

ويذكر حرز لصحيفة "فلسطين" أن الكمية التي كانت تصله في البداية بلغت نحو 600 ربطة يوميًا، موزعة على دفعتين عند الثامنة صباحًا والحادية عشرة والنصف قبل الظهر.

وبعد أسبوعين، انخفضت إلى 400 ربطة تُسلّم مرة واحدة صباحًا، ثم تراجعت إلى نحو 250 ربطة يوميًا.

ويقول إن محله نقطة التوزيع الوحيدة في المنطقة، وإن الكمية الحالية لا تلبي طلب السكان، ما يعرّضه للاعتراضات والخلافات كلما انتهى الخبز قبل وصول الدور إلى الجميع.

ويوضح: «يظن بعض الناس أنني أحجب الخبز عنهم أو أخصصه لمعارفي، لكن الكمية التي تصلني محدودة، ولا أستطيع توفير أكثر منها. ومع كل تقليص، تتصاعد المشاجرات أمام المحل».

وبافتراض أن وزن الربطة كيلوغرامان، فإن انخفاض الكمية من 600 إلى 250 ربطة يعني تراجع ما يصل إلى هذه النقطة بنحو 700 كيلوغرام يوميًا، أي بنسبة تقارب 58% من الكمية السابقة.

إمدادات متعثرة

ولا تقتصر المشكلة على نقطة توزيع واحدة؛ إذ تُظهر بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا» تراجع إنتاج الخبز المدعوم من نحو 170 ألف ربطة يوميًا في يناير/كانون الثاني 2026، إلى 130 ألفًا في أبريل/نيسان، ثم إلى نحو 100 ألف ربطة يوميًا في أغسطس/آب، وفق البيانات الواردة عن القطاع. ويمثل ذلك انخفاضًا بنحو 41% مقارنة بمستوى يناير.

وذكر تقرير أوتشا الصادر في 4 سبتمبر/أيلول أن 26 مخبزًا مدعومًا أنتجت نحو 100 ألف ربطة يوميًا في أغسطس، غطّت ما يقارب 34% من الاحتياجات المقدّرة. ووفق التقرير، يُباع نحو 75% من الإنتاج المدعوم عبر أكثر من 150 محلًا بسعر ثلاثة شواقل للربطة، بينما توزّع النسبة المتبقية مجانًا عبر أكثر من 300 مركز إيواء وموقع مجتمعي.

ويرتبط تراجع الإنتاج، وفق البيانات الأممية، بقيود الاحتلال على إدخال الإمدادات والمواد الأساسية اللازمة لاستمرار إنتاج الخبز. وفي 16 أكتوبر/تشرين الأول، حذّرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» من أن المكاسب المحققة في مكافحة سوء التغذية في غزة لا تزال هشّة، وقد تتراجع مع تعطل الإمدادات، داعية إلى إبقاء المعابر مفتوحة لضمان تدفق المساعدات.

وتضع هذه التحذيرات نقص الخبز ضمن أزمة غذائية أوسع؛ فاستمرار الإنتاج لا يعتمد على عدد المخابز العاملة وحده، بل على توافر المواد اللازمة لتشغيلها وقدرة الإمدادات على الوصول بانتظام. ومع تقلص الكميات، تتسع الفجوة بين الخبز المتاح واحتياجات السكان.

أسعار مرهقة

حين لا يحصل السكان على الخبز المدعوم، يصبح السوق بديلًا أعلى كلفة. ويقول ياسر الصفدي، من حي الدرج، إن سعر الربطة ارتفع فيما تسمى "السوق السوداء" من أربعة شواقل إلى ستة، وقد يصل أحيانًا إلى ثمانية، مقابل ثلاثة شواقل للربطة المدعومة.

ويشير إلى أن أسرته المكونة من ثمانية أفراد تحتاج إلى ربطة يوميًا. وباحتساب فرق يتراوح بين ثلاثة وخمسة شواقل -على سبيل المثال- للربطة، فإن شراء واحدة يوميًا بالسعر الأعلى يضيف ما بين 90 و150 شيكلًا إلى النفقات الشهرية، على أساس 30 يومًا.

أما عائشة المشهراوي (60 عامًا)، التي تعاني ارتفاع ضغط الدم والسكري وأمراض القلب، فكانت تعد الخبز في المنزل، لكنها اضطرت إلى شرائه بعد شح الدقيق وارتفاع سعره، وفق إفادتها.

وتقول إن توقف التوزيع الذي كانت تعتمد عليه من المؤسسات الإغاثية لأسابيع دفعها إلى الوقوف في الطوابير رغم وضعها الصحي.

وتضيف لـ"فلسطين" : «كنت أصنع الخبز في البيت، لكن الدقيق أصبح شحيحًا وغاليًا، فاضطررت إلى شراء الخبز مثل غيري.

نريد أن يتوفر للجميع، وأن تدخل المساعدات والدقيق والمواد الغذائية، وأن تعود التكايا إلى العمل؛ فالناس بالكاد تستطيع توفير قوت يومها».

لقمة معلّقة

في نقطة التوزيع، لا يستطيع حرز زيادة الكمية التي تصله، بينما يحاول اسليم تأمين طعام بناته، وتبحث المشهراوي عن بديل لم يعد صنعه في المنزل متاحًا. ويواجه الثلاثة وجوهًا مختلفة لأزمة واحدة: كميات تتراجع، وانتظار لا يضمن الحصول على الخبز، وأسعار تزيد العبء على الأسر.

ومع تعثر الإمدادات، لا تنتهي المشكلة عند من يعود خالي الوفاض؛ إذ يضطر إلى المحاولة مجددًا أو دفع مبلغ أكبر في السوق. لذلك، لا يتوقف تخفيف الأزمة على تنظيم الطوابير وحده، بل يتطلب ضمان تدفق الإمدادات والمواد الأساسية واستمرار إنتاج الخبز وتوزيعه بما يتناسب مع احتياجات السكان، حتى لا تبقى الوجبة اليومية معلّقة بكمية تصل إلى نقطة التوزيع أو بمبلغ إضافي لا تستطيع الأسرة تحمّله.

المصدر / فلسطين أون لاين