فلسطين أون لاين

محمد خطاب.. حكم دولي قتله الاحتلال مع زوجته وأطفاله وعائلته

...
محمد خطاب.. حكم دولي قتله الاحتلال مع زوجته وأطفاله وعائلته
غزة/ فلسطين أون لاين:

سجلت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة واحدة من أبشع صفحات القتل والتدمير في التاريخ الفلسطيني الحديث، بعدما طالت نيرانها عائلات كاملة، مُحيت أسماؤها من السجل المدني، وقُتل أفرادها داخل منازلهم التي لجؤوا إليها بحثا عن الأمان بعيدا عن القصف.

وبين هذه المآسي، برزت قصة الحكم الدولي الفلسطيني محمد خطاب، أحد أبرز حكام كرة القدم في قطاع غزة، الذي استشهد برفقة زوجته وأطفاله الأربعة في قصف إسرائيلي استهدف منزل عائلته بمدينة دير البلح وسط القطاع.

لم يكن خطاب مجرد حكم يدير مباريات كرة القدم، بل كان أحد الوجوه التي تركت بصمتها في الملاعب الفلسطينية، بفضل أخلاقه العالية وهدوئه وقدرته على التعامل مع اللاعبين والمدربين، إلى جانب إصراره على تطوير قدراته المهنية حتى نال الشارة الدولية، ومثّل التحكيم الفلسطيني في عدد من المباريات العربية والآسيوية.

مسيرة تحكيمية انتهت تحت القصف

وُلد محمد خطاب في مدينة دير البلح في 28 فبراير/شباط 1989، وأكمل تعليمه في الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية بمدينة غزة، قبل أن يبدأ مسيرته في مجال التحكيم، الذي وجد فيه شغفه وطموحه المهني.

اكتشف موهبته الحكمان الدوليان عبد الفتاح العطار وعصام بشير، اللذان لاحظا امتلاكه قدرات واعدة، وعملا على استثمارها وتنميتها، لتبدأ رحلة صعوده في منظومة التحكيم الفلسطيني.

وفي عام 2010، انضم خطاب إلى طاقم الحكام المساعدين في الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، ليبدأ مشوارا امتد نحو 15 عاما في الملاعب المحلية، اكتسب خلالها الخبرة وتدرج في المسؤوليات، مستفيدا من تميزه في الجانبين النظري والعملي، وحرصه المستمر على التعلم والتطور.

ولم يكن بلوغه المستوى الدولي نتيجة عابرة، بل ثمرة سنوات من العمل والمثابرة والمشاركة في الدورات التدريبية المحلية والخارجية، التي سعى من خلالها إلى صقل مهاراته ومواكبة التطورات في قوانين اللعبة وأساليب إدارة المباريات.

وفي عام 2020، نال خطاب الشارة الدولية، ليصبح حكما معتمدا لدى الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" والاتحاد الآسيوي، وهي محطة مهمة في مسيرته، أتاحت له إدارة مباريات عربية وآسيوية على مستوى المنتخبات والأندية، إلى جانب مواصلة عمله في البطولات المحلية.

fa1034c8-c8fc-46c8-bc45-a6eb6d92c322.jpg
 

أخلاقه صنعت مكانته في الملاعب

عرفت الملاعب الفلسطينية خطاب حكما هادئا، يتمتع بحسن الخلق واللباقة في التعامل مع اللاعبين، وقدرة على احتواء التوتر الذي يرافق المباريات الحساسة، في ظل الضغوط التي يتعرض لها الحكام خلال المنافسات.

وكانت ابتسامته الدائمة جزءا من صورته التي احتفظ بها زملاؤه والعاملون في الوسط الرياضي، فيما عُرف عنه السعي إلى تطوير ذاته وعدم الاكتفاء بما حققه من إنجازات، وهو ما انعكس على أدائه ومسيرته المهنية.

ومع حصوله على الشارة الدولية، لم يعد طموحه مقتصرا على إدارة مباريات الدوري في قطاع غزة، بل امتد إلى تمثيل التحكيم الفلسطيني في المحافل الخارجية، وإثبات قدرة الكفاءات الفلسطينية على الوصول إلى المستويات الدولية رغم الظروف الصعبة التي يعيشها القطاع.

غير أن الحرب الإسرائيلية قطعت هذه المسيرة، وحوّلت حياة الحكم الذي اعتاد الوقوف داخل المستطيل الأخضر لإدارة المباريات إلى مأساة إنسانية، بعدما استهدف القصف منزله في دير البلح.

مجزرة أنهت حياة عائلة كاملة

في 20 فبراير/شباط 2024، استشهد محمد خطاب إثر قصف إسرائيلي استهدف منزل عائلته، ما أدى إلى استشهاده مع زوجته وأطفاله الأربعة، إلى جانب والدته وأشقائه وعدد من أفراد أسرته، في مجزرة أودت بحياة 15 فردا من العائلة.

لم يفقد الوسط الرياضي الفلسطيني حكما دوليا فحسب، بل فقدت عائلة خطاب عددا كبيرا من أفرادها في لحظات، فيما وجد أصدقاؤه وزملاؤه أنفسهم أمام خبر يصعب استيعابه، بعدما تحولت حياة أحد الوجوه المعروفة في الملاعب إلى قصة جديدة من قصص الفقد التي عاشها الفلسطينيون خلال الحرب.

وجاء استهداف منزل العائلة ليجسد حجم المجازر التي ارتكبها الاحتلال بحق المدنيين في قطاع غزة، حيث لم تعد البيوت ملاذا آمنا لأصحابها، وباتت العائلات تواجه خطر الموت حتى داخل أماكن إقامتها، في مشهد تكرر خلال الحرب وأدى إلى سقوط أعداد كبيرة من الشهداء.

تفاعل دولي ومطالب بتكريم ذكراه

لم تبقَ مأساة خطاب محصورة في الأوساط الرياضية الفلسطينية، إذ أثارت قصته تفاعلا دوليا بعد تداول وسائل الإعلام تفاصيل المجزرة التي أودت بحياته وحياة أفراد أسرته.

وقدم رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" تعزية إلى الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، في موقف عكس وصول مأساة الحكم الفلسطيني إلى أعلى مستويات المؤسسة الكروية الدولية، وأعاد تسليط الضوء على الخسائر التي تكبدتها الأسرة الرياضية الفلسطينية خلال الحرب.

كما طالب النائب الفرنسي عن حركة "فرنسا الأبية"، توماس بورت، الاتحاد الدولي لكرة القدم بفرض دقيقة صمت خلال المباريات في الأسبوع الذي أعقب الجريمة، تكريما لروح خطاب، في دعوة هدفت إلى منح الحكم الفلسطيني مساحة من الاعتراف داخل الملاعب الدولية.

وتعيد قصة محمد خطاب طرح السؤال بشأن قدرة المؤسسات الرياضية الدولية على حماية الرياضيين الفلسطينيين وإبقاء معاناتهم حاضرة في المحافل الكروية، في وقت دفع فيه اللاعبون والحكام والمدربون والعاملون في القطاع الرياضي بغزة أثمانا باهظة جراء الحرب.

لقد غاب محمد خطاب عن الملاعب، لكن مسيرته التي بدأت من دير البلح ووصلت إلى المستوى الدولي بقيت شاهدا على طموح رياضي فلسطيني لم توقفه الظروف الصعبة، قبل أن تنهي الحرب حياته مع زوجته وأطفاله الأربعة.

وبين ذكراه في الملاعب ومأساة عائلته تحت الأنقاض، تظل قصته واحدة من الشواهد المؤلمة على الثمن الذي دفعه الفلسطينيون، بمن فيهم الرياضيون وأسرهم، خلال الحرب على قطاع غزة.

المصدر / فلسطين أون لاين