في مشهد أسطوري وملحمي تاريخي فريد، استشهد قائد طوفان الأقصى في 16 أكتوبر/ تشرين الأول 2024 مشتبكا مع قوة إسرائيلية خلال المعارك التي خاضتها المقاومة بحي تل السلطان غربي محافظة رفح، وكتب بدمائه رسالة ملهمة لأبناء الأمة وأحرار العالم، فلم يقف العمر حائلاً أمام قائد دفع زهرات شبابه في سجون الاحتلال حتى بلغ اثنين وستين عاما عن حمل البندقية وتقدم الصفوف، والالتحام في قلب المعركة.
كانت هذه النهاية الشجاعة، مغايرة للشكل الذي رسمه قادة الاحتلال وخاصة رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بالوصول للسنوار من خلال تعقب وإعطاء أمر بالاغتيال، ولتنسف دعاية روجها الاحتلال بأن الرجل مختبئ في أحد الأنفاق وبين المدنيين، ليتجلى الفشل الاستخباري للاحتلال مرة أخرى بعدم وصولهم للمطلوب الأول رغم أنه كان يقاتل جنودهم في ميدان رفح، كما تجلى فشلهم في السابع من أكتوبر عندما هندس السنوار خديعة كبرى زلزلت الاحتلال.
كان المشهد أشبه بلوحة، لقائد يشتبك ويرتدي جعبة حرب، وعلى جانبيه سلاحه، يقف في الخطوط الأولى للقتال بمحافظة رفح يواجه جنود جيش الاحتلال وجهًا لوجه، في حين ينشغل الاحتلال بالبحث عنه بكل أجهزة التجسس والتعقب طوال عام كامل، ولم يدرِ أنه يقف أمام دباباتهم متنقلاً بين ساحات وميادين القتال.
أطلقت دبابة إسرائيلية قذيفة على بيتٍ يوجد فيه مقاوم، ثم أرسلت طائرة "درون" لمعرفة من بداخله، فاقتربت من ملثم يرتدي الكوفية الفلسطينية تنزف الدماء من يده التي ربطها بسلك حديدي وحجر محاولا وقف النزيف، يجلس على مقعدٍ في مشهدٍ لا يقل هيبة عن صورة نشرت له عندما وضع قدما فوق الأخرى وهو يجلس على مقعدٍ على أنقاض منزله متحديًا للاحتلال، فتجدد التحدي في آخر لحظاته وألقى عصا على الطائرة بعد اشتباك مسلح، لتطلق الدبابة قذائف أخرى وينهار السقف فوق الملثم.
تقدم الجنود فكانت الصاعقة واضحة، عندما أزالوا اللثام وكان المشتبك هو زعيم حركة حماس ورئيس مكتبها السياسي يحيى السنوار، يتقدم صفوف المقاتلين، بشجاعةٍ لم يعرفوها أو يشاهدوها في سيرة أي قائد أو جنرالٍ عسكري إسرائيلي، الذين يهرعون للملاجئ عند أول صافرة إنذار تنطلق في أي مكان يتواجدون فيه.
في مخيمات اللاجئين بمحافظة خان يونس نشأ السنوار الذي نزحت عائلته من مدينة "المجدل"، فعاش معاناة اللجوء، في مدارس المخيم تلقى تعليمه وأكمل دراسته الجامعية بالجامعة الإسلامية التي تخرج فيها بشهادة في الدراسات العربية، وأكمل نشاطه التنظيمي في مرحلة الشباب بتأسيس جهاز المجد الأمني، إلا أنه جرى اعتقاله عام 1988، وحكم بالسجن أربعة مؤبدات قضى منها 23 عامًا متواصلة في سجون الاحتلال منها ما يقارب أربع سنوات في العزل الانفرادي.
دفع الشاب زهرات شباب ربيع عمره الأول داخل السجون، فاعتقل ولم يزد عمره على 26 عاما، حتى نال السنوار المكنى "أبا إبراهيم" حريته في صفقة وفاء الأحرار وتحديدًا في 18 أكتوبر/ تشرين الأول 2011، والذي اعتبر الولادة الثانية للرجل، ليجمع أكتوبر ذكرى ولادته في 29 أكتوبر/ تشرين الأول 1962، وذكرى حريته، واستشهاده في 16 أكتوبر، وذكرى الطوفان في السابع من أكتوبر.
حكاية شعب عظيم
ويقول الخبير الفلسطيني في شؤون المقاومة د. هاني الدالي إن المشهد الأخير في حياة السنوار يختصر حكاية شعب عظيم يرفض أن ينكسر، وقضية لا يمكن تصفيتها بالقوة وحرب الإبادة.
وأضاف الدالي لصحيفة "فلسطين" أن السنوار رحل كما عاش، في قلب المواجهة والتحدي، وبقي صامدًا وشاهدًا على الثبات، ورمزًا للصمود وعبرة للأجيال في معنى التمسك بالحقوق والثبات على المبادئ.
وأوضح أن المشهد الأخير مثّل لوحة مكتملة الأركان لقائد مثخن بالجراح، بجسد مجهد، يتوسد الركام ويرتدي الجعبة العسكرية، وفي يده العصا التي رمى بها طائرة استطلاع إسرائيلية في لحظاته الأخيرة، مؤكدًا أن هذه اللحظات تختصر مفهوم المقاومة حتى النفس الأخير.
وعن تأثير صورة السنوار الأخيرة في الرواية الإسرائيلية ومحاولات كي الوعي، أكد الدالي أن صورة أبو إبراهيم، القائد المقاتل، ضربت روايات الاحتلال ومحاولات التشويه ومخططات كي الوعي، مشيرًا إلى أن دلالاتها تمثلت في أكثر من جانب، أولها الرمزية البصرية الخالدة التي جسدتها صورة القائد المقاتل واستشهاده في اللحظة الأخيرة، وهو ما لم يكن استشهادًا عاديًا.
وبيّن أن المشهد هدم الإشاعات الإسرائيلية التي استهدفت قيادات المقاومة، موضحًا أن الإعلام العبري والغربي ضخ، على مدار عام كامل، روايات تزعم بأن قيادات المقاومة تختبئ في الأنفاق، وتتخذ من الأسرى دروعًا بشرية لحماية أنفسها.
وأشار إلى أن مشهد السنوار دمّر هذه الرواية وأنهاها بصورة كاملة، وأثبت لشعبنا والعالم والأمة أن القائد الذي خطط ونفذ كان يخوض الميدان بنفسه، وفوق الأرض، وبين أزقة المخيمات في رفح، وفي الجبهة المتقدمة في مواجهة الاحتلال.
وعن دلالة العصا التي استخدمها السنوار في لحظاته الأخيرة، وكيف تحولت إلى رمز للمقاومة، لفت الدالي إلى أن السنوار في جلسته الأخيرة، وعصاه، تحولا إلى أسطورة ملهمة، موضحًا أن العصا أصبحت رمزًا لمقاومة الشعب الفلسطيني المستضعف بما امتلك، وأيقونة تُدرَّس للأجيال في الشموخ والعزة وعدم الاستسلام، حتى لو لم يبقَ للمقاومة عود خشبي أو حتى حجر ترمي به.
وشدد على أن العصا باتت رمزًا لمقاومة الظلم والطغيان، لافتًا إلى أن المشهد يجسد الشهادة العظيمة والشريفة، ويعيد تعريف المعنى الحقيقي للبطولة والتحدي في الذاكرة الجمعية للأمة.
وقال إن السلاح يستحي من قتله، وإن الركام يرتفع ليكون له عرشًا، مؤكدًا أن لحظة استشهاد السنوار تحولت إلى ميلاد تاريخي لفكرة المقاومة بصورة غير عادية، وتجسيد أسطوري لحكاية أمة تأبى أن تُقهر، وشعب يأبى أن ينكسر.
وأكد الدالي أن استشهاد السنوار بهذه الطريقة شكّل مفاجأة صدمت الجميع، وفي مقدمتهم الأعداء، وأربكت المشهد الاستخباري والعسكري الإسرائيلي والأمريكي والعالمي بصورة غير عادية.
وأوضح أن الاحتلال فوجئ بأن قائد الطوفان يشتبك مع دباباته وجنوده، معتبرًا أن ذلك شكّل ضربة مدوية للاحتلال وضرب روايته برمتها.
وأضاف أن هذه الصورة حرمت الاحتلال من مشهد النصر المطلق، ومن صورة النصر الأمني والاستخباري التي خطط لها منذ بداية المعركة، مشيرًا إلى أن الاحتلال أراد استهداف السنوار من خلال معلومات استخبارية، لكنه لم يتخيل، وفق توقعاته، أن يستشهد مشتَبكًا في ميدان مفتوح ومسيطر عليه أمنيًا.
وبيّن أن الصورة تحولت مما أراده الاحتلال إنجازا إلى مصدر إلهام وقوة للمقاومة وقيادتها، وصورة معنوية للطوفان.
وعن الدلالات التي حملها استشهاد السنوار على مستوى العلاقة بين القيادة والمقاتلين والعقيدة القتالية للمقاومة، رأى أن استشهاد السنوار جسّد الالتحام بين القيادة والأفراد والقواعد والعناصر، وأثبت أن القائد يتقدم الصفوف حيث يستشهد الجنود، مؤكدًا أن ذلك منح بنية المقاومة وقودًا وشحنة معنوية، وهو ما شهده الفلسطينيون بعد استشهاد أبو إبراهيم.
وأضاف أن السنوار صدّق الشعار بالعمل، وجسّد المبادئ بالسلوك والتضحية، وأثبت أن شعار عدم الاستسلام لم يكن مجرد شعارات، بل منهج حياة وتطبيقًا عمليًا حيًا لقيادة المقاومة.
وأشار إلى أن الاستشهاد يعزز العقيدة القتالية للمجاهدين عندما تجود القيادة بروحها وهي في قلب الاشتباك، معتبرًا أن الاعتقاد بإمكانية القضاء على المقاومة من خلال استهداف قادتها وهم.
وختم الدالي بالتأكيد أن نتنياهو وصناع القرار الإسرائيلي بذلوا كل جهد لإنهاء الحرب بصورة نصر مطلق، لكن صورة أبو إبراهيم حوّلت المحاولة إلى هزيمة أخلاقية واستخبارية وعسكرية، ومنحت المقاومة صورة نصر معنوي تخلد في كتب التاريخ.
وأضاف أن المشهد أثبت أن الهيكل العسكري والأمني للمقاومة كان يعتمد على المؤسسية والمرونة وإدارة المعركة بكل عملياتها ولا زال على هذا النحو.



