في ساعات الصباح الأولى من السابع من أكتوبر 2023، لم يكن الغزيون يدركون أنهم على موعد مع يوم سيغير وجه التاريخ المعاصر للمنطقة بأسرها. عملية "طوفان الأقصى" أو يوم العبور لم تكن مجرد حدث عسكري عابر، بل كانت زلزالا مدويا أصاب المنظومة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية، وأعاد القضية الفلسطينية إلى صدارة الأجندة العالمية بعد عقود من التهميش والجمود.
اليوم، وبعد مرور ثلاث سنوات كاملة، تتكشف تباعا الأبعاد العميقة لهذا التحول التاريخي على مختلف المستويات.
جذور الانفجار
لم يأتِ السابع من أكتوبر 2023 من فراغ، بل كان انفجارا طبيعيا ومحسوما لبركان متزامن مع سياسات قمعية متصاعدة.
وفي هذا السياق، يؤكد أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية أحمد ماجد، "أن المعركة جاءت رد فعل إستراتيجيا ومشروعا على جرائم الاحتلال المتراكمة، وفي مقدمتها الحصار الظالم والخانق المفروض على قطاع غزة لأكثر من سبعة عشر عاما، واستمرار الاستيطان التوسعي الذي يلتهم أراضي الضفة الغربية، فضلا عن سياسات استباحة المقدسات الإسلامية والمسيحية، وعلى رأسها المسجد الأقصى والاقتحامات المتكررة والتهويد الممنهج، إلى جانب ملف الاعتقالات اليومية والتعسفية بحق مئات الأسرى الفلسطينيين".
ويشدد ماجد، لصحيفة "فلسطين"، على أن المقاومة الفلسطينية بمختلف أشكالها هي حق أصيل ومشروع كفلته جميع القوانين والمواثيق الدولية للشعوب الواقعة تحت الاحتلال، دفاعا عن حريتها ووجودها.
سقوط "عقيدة الردع"
في الساعات الأولى من المعركة، تفاجأ العالم بقدرات تخطيطية وتنفيذية عالية أدارتها المقاومة الفلسطينية، إذ اخترق السياج الفاصل وأديرت عمليات واسعة النطاق بمحاذاة غزة.
وفي هذا السياق، يوضح خبير عسكري لصحيفة "فلسطين"، طالبا عدم كشف هويته "أن ما حدث في السابع من أكتوبر شكل صدمة إستراتيجية غير مسبوقة للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية، مشيرا إلى أن الأمر لم يقتصر على الاختراق الميداني، بل أسقط عقيدة الأمن المطلق والردع التي تبنتها (إسرائيل) لعقود، وذلك بعد عامين كاملين من المعارك الضارية تلتها مرحلة من اتفاقيات وقف إطلاق النار.
ويضيف الخبير العسكري: "أثبتت ردة الفعل الهمجية والوحشية التي مارسها الاحتلال طوال سنوات المواجهة أن ما جرى لم يكن مجرد رد عسكري، بل كشف بوضوح عن عقيدة ممنهجة ومترسخة لقتل الفلسطينيين وتدمير مقومات حياتهم بلا استثناء. لقد استهدف الاحتلال البشر والشجر والحجر والمنظومة الصحية والتعليمية في إبادة جماعية مدروسة، ما يؤكد أن الآلة العسكرية الإسرائيلية لا تفرق بين مدني ومقاتل، بل تستهدف الهوية والوجود الفلسطيني بحد ذاته".
ويتابع الخبير: "لقد ثبت أن التفوق التكنولوجي والاستخباراتي وحده لا يكفي أمام إرادة قتالية وعقيدة صلبة".
ويشير إلى أن المدنيين في غزة دفعوا فاتورة باهظة من الدمار والخراب على يد الاحتلال، غير أن إرادة الصمود والبقاء ظلت العنوان الأبرز وسط أنقاض المدن المدمرة.
ومن قلب هذه المعاناة، تروي الدكتورة جيهان نسيم لصحيفة "فلسطين"، وهي طبيبة عاملة في شمال قطاع غزة، مشاهداتها قائلة: "عشنا سنوات الحرب الشعواء وكأنها كابوس لا ينتهي من قصف مدمر لا يتوقف، ونقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، وعمليات جراحية أجريت في ظروف قاسية للغاية بلا تخدير ولا أدوات كافية".
وتضيف: "رغم كل هذا الموت والألم المتعمد الذي مارسه الاحتلال، كان اللافت هو صمود الناس وكيف كان الجرحى والمرضى يصرون على التشبث بالحياة والأمل في أبسط التفاصيل، فغزة دفعت ولا تزال تدفع دماء أبنائها في وجه آلة القتل الممنهج، لكنها لم ترفع الراية البيضاء ولن تكسر".
مصداقية الرواية
في السياق، أحدثت تداعيات السابع من أكتوبر تحولات عميقة طوال الأعوام الثلاثة الماضية، إذ تراجعت الرواية الإسرائيلية في المحافل الدولية، وشهدت عواصم العالم والجامعات الغربية حركات تضامن شعبي غير مسبوقة مع الحق الفلسطيني، بالتزامن مع تصاعد الاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية.
ويوضح أستاذ العلوم السياسية أحمد ماجد، أن عملية "طوفان الأقصى" نجحت في كسر الطوق السياسي المفروض على القضية الفلسطينية، مشيرا إلى حدوث تحول جذري في الرأي العام العالمي وخاصة بين الأجيال الشابة في الغرب، فضلا عن تآكل الشرعية الأخلاقية والسياسية لدولة الاحتلال في المحاكم الدولية والأمم المتحدة وملاحقة قادتها كمجرمي حرب".
ويؤكد ماجد، أن المنطقة اليوم وبعد مرور ثلاث سنوات تعيش مرحلة تاريخية فاصلة لا يمكن بعدها العودة إلى الوضع السياسي السابق بحال من الأحوال.
وبعد مرور ثلاثة أعوام كاملة على ذلك اليوم الفارق، يثبت التاريخ أن السابع من أكتوبر 2023 لم يكن يوما عاديا في الذاكرة الفلسطينية والعربية، بل هو نقطة لا رجعة عندها، فحجم الألم والتضحيات متلازم مع عمق التحولات الاستراتيجية، ليظل السؤال الماثل أمام العالم بعد هذه السنوات الثلاث: "كيف ستتمكن المنطقة من بناء مستقبل عادل يقوم على إنهاء الاحتلال، وإحقاق الحقوق المشروعة لشعب يمارس حقه القانوني والإنساني في التحرر وتقرير المصير؟"، وفق مراقبين.

