على منصة الأمم المتحدة يقف نتنياهو في وجه وفود العالم ويصفهم بالجبناء، لا يبدو المشهد مجرد خطاب سياسي، بل صورة صارخة لمعنى ﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾؛ استعلاءٌ بلغ ذروته، حتى غدا مخاطبة القوى الكبرى بلغة التحدي والازدراء مشهدًا عابرًا بلا ردٍّ يوازيه.
وفي قراءة الوحي وفقه السنن، يفسر هذا المشهد بما أخبرت به سورة الإسراء من علوٍّ وإفساد، يعقبه انحسارٌ وانكسار، ثم ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾. إنها سنة قرآنية لا تتبدل: إذا اكتمل العلو بدأ الأفول، وإذا بلغ الاستكبار ذروته بدأت مقدمات السقوط.
في غزة، حيث كان الزمان ينشد أغنية الحياة، وتعانق الفرح الأزقة، تحوّل كل ذلك إلى ركام يشهد على قسوة الحرب وظلامها المدقع.
غبار الخوف والوجع يملأ السماء، والأحياء لم تزل تعيش بين أطلال بيوتها التي باتت لا تُميّز فيها شارعًا من بيت، ولا أحد يعثر على ظل الحارة التي اعتاد أن يحتضنه.
شهداء على كل طريق، وجثث تتلاشى بين أنقاض لا ترحم، ومصير من تبقى بين الجرح والمرض بلا دواء ولا خلاص.
في مشفى المآسي تُغلق الأبواب، وأحلام الشفاء تموت، والتعطيش والجوع يلاحقان كل نفسٍ يئن تحت وطأة ظلم الاحتلال، حيث يتربّص الإفساد المريع كما وعد الله.
إذ تكرر تاريخ الإفساد والعلو في الأرض، والوعيد الإلهي آتٍ لا محالة، ينذر بحتمية زوال الغطرسة والظلم. فكما أسقط الله فرعون بمكر وعدل، كذلك يُمحى هذا الاحتلال عن أرض فلسطين المقدسة، ويُدك علوه وتتبيره، وينفتح باب الرجعة لحق وكرامة تتنفسها الأرض التي دُنسَت.
ويعود النصر لمنتظريه تحت ظل المسجد الأقصى، فالله لا يحب الفساد، والعدالة الإلهية تطل في الأفق، تُحيي الأمل بين ركام الحزن، وتبعث نورًا جديدًا في قلب غزة. تستمر القصة الملحمية لأرض لم تُولد لتحيا إلا في عزة وحرية.
سحق الحياة في غزة، حيثما يممت وجهك، والتي كانت تضج بالحياة والصخب ويسودها الأمن، لا تجد إلا ركامًا بعضه فوق بعض.
والغبار يملأ الجو المشحون بالخوف والإرهاق والترقب والانتظار، حتى لم تعد تعرف حارتك الصغيرة التي تحفظها ككف يدك. وبيوتها التي تداخلت حجارتها في بعضها البعض، لم تعد تميز شارعًا من بيت، بقايا من بقايا.
مع كل جولة عدوان، المزيد من القتل والتدمير والإفساد، حيث تنتشر جثامين الشهداء في كل شارع وزقاق ومدرسة، وقد تحللت هذه الأجساد الطاهرة المخضبة بالدماء الزكية.
ومحظوظ من وُجد له من يكرمه بالدفن، ومنهم من تبخر جسده بفعل القصف والسلاح الماحق، فضلًا عن شهداء تحت أنقاض مدّ البصر، مضت أسابيع وأشهر على ارتقائهم وسُجلوا في عداد المفقودين، ومنهم من لم يجد من يسجله حيث شُطبت العائلة بالكامل.
وكم شهيد مررنا بهم في الطرقات دون أن نستطيع الالتفات إليهم، حيث الرصاص والقذائف من كل جانب، فضلًا عن مواراتهم الثرى.
ومحظوظ الشهيد مقارنة بمن بقي جريحًا يتلوى ويئن حتى ارتقى شهيدًا دون أن يجد يد شفاء، حيث دُمّرت المشافي عن بكرة أبيها، ولا طريق للخروج للتشافي حيث أُغلقت المعابر بأمر عصابات الإفساد.
والأسوأ حالًا مَن بقوا في مواجهة القتل اليومي والمجازر والتدمير اللحظي والسحق الإنساني والتعطيش والمجاعة. كل هذا بعضٌ من فساد الاحتلال، الذي توعدهم الله به، ووعدنا أن ينتهي على أيدينا { لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا } (الإسراء: 4).
إفساد وعلو الاحتلال الكبير قضى الله به، كما قضى أمر الله فسادًا وعلوًا مشابهًا { إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ } (القصص: 4).
ومتلازم إفساد وعلو في الأرض المقدسة مرتين. تنقضي الأولى بعبادٍ لنا وليس عبادنا، وهم طائفة من الخلق:
{ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ } (الإسراء: 5)، كالحديد، يمارسون الانتقام لفعل أصابهم باستباحة وقتل ونهب وسبي. وهذا وقع وعدًا مفعولًا:
{ ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا } (الإسراء: 6).
واليوم يُغني حالهم عن مقالهم، حيث آيات الله تعالى تنطق، ويقعون مجددًا تحت وعيد الله تعالى { إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ } (الإسراء: 7).
والمؤكد أنهم لم يُحسنوا، فكان التتابع بالوعد الثاني والأخير، حيث لا ثالث { فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوُّوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا } (الإسراء: 7).
حيث موعده محدد، وعباد في صفة البأس الشديد في الأولى، هم في الثانية والنتيجة المباشرة: { لِيَسُوُّوا وُجُوهَكُمْ } (الإسراء: 7)، وما يترتب عليها { ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ } (البقرة: 61).
والنتيجة التالية { وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ } (الإسراء: 7)، الوارد في مطلع السورة، وهو مقام عبادة، ودخوله مصاحبٌ بتتبير، والعلو يُحطم كزجاج لقطع صغيرة، ويشمل كل مقومات العلو: المكان، الزمان، الكمّ والنوع، يصله التتبير.
وفي ختام سورة بني إسرائيل { وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ } (الإسراء: 104)، حيث الشتات، ثم { جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا } (الإسراء: 104)، إلى الأرض المقدسة، و"لفيفًا" جمع من الناس من قبائل وأصول شتى، وليس بالضرورة كلهم، مستغلين المحرقة النازية والعديد من الجرائم التي أرعبوا بها يهود في دولهم، وصناعة معزوفة "معاداة السامية".
وعقبها بعد كل هذا { وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا } (الإسراء: 8). وسيعودون، لأن الإفساد متجذر في فطرتهم غير السوية، وسيعودون إلى إفسادٍ دون علو كبير مع الدجال. وهذا الوعيد الإلهي عقوبة على الإفساد والعلو، الذي يراه العالم عبر البث المباشر في محرقة غزة.
وبالضرورة، مقترنٌ بتحرير فلسطين حيث { وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ } (الإسراء: 7). ومقترن بالعلو والإفساد الكبير، وفي الوعيد الأول الذي كان وفق التفسير حتى قبل الإسلام، أو في عهد رسول الله ص حين أجلاهم عن جزيرة العرب، ثم الوعيد الثاني، والله أعلم، الذي نحياه وشروطه متحققة، حيث تجمعهم من شتات، ويصاحبه إفساد وعلو كبير إلا ب{ حَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ } (آل عمران: 112).
وشعور عنصري بالنرجسية { لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيّينَ سَبِيلٌ } (آل عمران: 75)، حيث الأغيار والجوييم مستباح الدم والعرض والملك { يُهْلِكُ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ } (البقرة: 205).
والبعث يفاجئ يهود في قمة العلو والإفساد، ومجددًا { فَأَتَاهُمُ اللّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا } (الحشر: 2). والنتيجة: تدمير العلو وإنهاء الإفساد { مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ... } (المائدة: 32)، { إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } (المائدة: 33).

