على شاطئ البحر في مواصي خانيونس، لا ينتظر النازحون الفلسطينيون فصل الشتاء بقلق فحسب، بل يستعدون لمواجهة خطر يعرفونه جيدًا؛ أمواج البحر التي تتقدم نحو خيامهم، والرياح العاصفة التي تمزق الشوادر، والأمطار التي تحول الأرض المحيطة إلى برك من المياه والطين.
هنا، تبدو الخيام المتناثرة على امتداد الساحل كأنها عالقة بين البحر من جهة، والحرب والحصار من جهة أخرى، في حين لا يجد آلاف النازحين مساحة أخرى يلجؤون إليها بعد تدمير مساحات واسعة من قطاع غزة، وإغلاق المعابر ومنع إدخال كميات كافية من مستلزمات الإيواء، وبينها الخيام والبيوت المتنقلة والكرفانات.
تشير النازحة سامية سمير السحو بيديها إلى مصلى صغير بجوار خيمتها، وتستعيد معاناة شتاء مضى، قائلة إنها تقيم في منطقة فش فريش منذ 16 مايو/أيار 2024، وإن خيمتها “تهدمت أكثر من مرة” بفعل تقدم البحر وتمزق الشوادر.
وتوضح أن النازحين “لا يوجد أمامهم مكان آخر” يذهبون إليه، مضيفة أن المطلوب توفير الأخشاب والشوادر والخيام لمن فقدوا خيامهم، بعدما “ذهبت خيام بعض النازحين في البحر وسحبها البحر”.
لكن البحر ليس الخطر الوحيد الذي يحيط بالنازحين على الساحل، وفق السحو، التي تشير إلى تعرضهم لإطلاق نار من الزوارق الحربية، لافتة إلى إصابة طفلة كانت تحفظ القرآن في المصلى المجاور لخيمتها، إلى جانب تسجيل إصابات أخرى بين النازحين على الشاطئ.
أما النازح مجدي الشمالي، الذي أجبرته الحرب على مغادرة رفح إلى ساحل مواصي خانيونس، فلا يطلب طعامًا أو شرابًا أو حتى خيمة جديدة، بل يختصر مطلبه في “مكان آمن” يخرجه من منطقة فش فريش.
يقول الشمالي إن البحر يفرض عليهم البقاء مستيقظين طوال الليل، يتناوبون على مراقبته، محذرًا بعضهم بعضًا عندما تقترب المياه من الخيام.
ويستذكر أن البحر هدم خيمتهم وتسبب في إصابته وأسرته، مؤكدًا: “تعبنا.. إحنا مش قادرين نواجه بحر”.
ويحمل الشتاء بالنسبة إليه ذكرى أشد قسوة؛ إذ يؤكد أن البحر سحب ابنه محمد في الشتاء الماضي، وكاد يغرق قبل أن يتمكن من إنقاذه في اللحظات الأخيرة.
وعلى مقربة منه، تجلس النازحة نيفين أبو عرمانة وسط أطفالها، مسندين ظهورهم إلى قماش الخيمة، فيما لا يفصلهم عن البحر سوى أمتار قليلة.
تقول أبو عرمانة، النازحة من المنطقة الوسطى، إن المياه دخلت خيمتها مرتين، وحطمت السور المحيط بها، واضطرت إلى إخراج أطفالها من المياه، فيما جرفت الأمواج معظم متاعهم، كما تسببت الرطوبة والندى في تعفن الخيمة وتلفها.
وتطالب أبو عرمانة إما بإخراجهم من المنطقة إلى مكان آمن، أو إقامة ساتر يحمي خيامهم من أمواج البحر، إلى جانب توفير الشوادر والخيام الصالحة للسكن.

وبينما يقترب الشتاء، تبدو معاناة النازحين على الساحل مرشحة للتفاقم، في ظل استمرار الحرب والحصار وغياب البنية التحتية ومستلزمات الإيواء، وعدم وجود أماكن بديلة قادرة على استيعاب أعدادهم.
وبين أمواج البحر وخيام مهترئة، لا يجد هؤلاء سوى تكرار النداء نفسه: أوقفوا الحرب، وافتحوا الطريق أمامهم إلى مكان آمن، قبل أن يتحول الشتاء القادم إلى مأساة جديدة.

