يحاول الاحتلال تسليط الضوء على تضرر مستوطنيه من الفئران لتضليل الرأي العام، متجاهلا أنه المتسبب في الكارثة البيئية والإنسانية في قطاع غزة من خلال منع أبسط مقومات الحياة وفرض حصار خانق يمنع معالجة أزمة القوارض التي ترهق أهالي القطاع ووصلت بعض تداعياتها وآثارها للمستوطنات المحاذية للقطاع والمواقع العسكرية في منطقة ما يسمى الخط الأصفر.
وأدت الإبادة إلى دمار هائل للمباني الذي امتد على مساحات واسعة في أحياء ومدن القطاع، ما وفر بيئة خصبة لتكاثر وانتشار القوارض التي اجتاحت خيام الإيواء ونغصت حياة النازحين وأفسدت طعامهم، إضافة إلى القلق الدائم الذي تسببه، ليكون ما تحدث عنه الاحتلال عن تضرر مستوطنيه من الكارثة التي تسبب بها شيئا لا يذكر أمام ما يعيشه أهل القطاع المحاصرون بالقوارض.
ومن الأدلة على تعمد الاحتلال زيادة انتشار القوارض في غزة، منع إدخال أدوات المكافحة من السموم وإدخال كميات محدودة فقط نتيجة ضغوط منظمات دولية، ومنع ترحيل القمامة التي تجذب القوارض، فضلا عن منع إدخال المعدات اللازمة لإزالة المباني المدمرة.
وكانت صحيفة "هآرتس" العبرية قد تحدثت عن انتقال آلاف الفئران إلى مواقع الاحتلال والمستوطنين، وتسببت القوارض في أضرار كبيرة بالمحاصيل الزراعية، وصلت في بعض المناطق إلى اتلاف نحو 70% من محاصيل الفول السوداني، في حين تعرض 10 مستوطنين للعض.
ونقلت هآرتس عن أحد مستوطني "ناحال عوز" قال إنه منذ 3 أسابيع يصطاد ما متوسطه 10 فئران يوميًا، وفي "كيبوتس نير يتسحاك" أخرج بعض المستوطنين 50 فأرا من منازلهم في حين أخرج آخرون 100 فأر.
وفي تعليق ساخر على ما نشرته الصحيفة العبرية، قال صاحب حساب "يوميات أبو سمير": "إن الفئران هي فرقة استطلاع، أما فريق النخبة فهو العرس"، محذرا المستوطنين من جيش أصعب وأخطر يضم "البراغيت والحشرات كالصراصير الطائرة التي وصفها بفرق "المظليين".
وأضاف بنبرة ساخرة: "بدكم تحاصرونا سنرسل لكم فئراننا، العرس بياكلن وبعضن البنآدمين".
فرق كبير
أما عن صورة الواقع الحقيقي في غزة فلا وجه للمقارنة مع ما يعيشه المستوطنون، فيعيش محمد شلدان بمخيم إيواء "السلام" الواقع على بعد 200 متر من الخط الأصفر بحي الزيتون جنوب شرق مدينة غزة، ويضم المخيم نحو 100 خيمة، إذ يقوم سكان المخيم بإخراج أكثر من 200 فأر يوميًا بعد اصطيادها، في معاناة كبيرة تؤرق حياتهم.
ويقول شلدان لصحيفة "فلسطين": إن "القوارض داخل المخيم منتشرة بشكل كبير بين الخيام وداخلها، وتعيش في المباني المدمرة حول المخيم أيضا بشكل أكبر وفي محيطه، والناس تتأذى منها كثيرا. الصراع مع تلك القوارض موجود يوميا واصطيادها يتم بصورة كبيرة ولا يقل عن اصطياد اثنين من القوارض في كل خيمة".
وأضاف، أن القوارض تؤثر بشكل كبير في حياة النازحين لكونها تتغذى على المواد الغذائية الموجودة داخل الخيام، من الدقيق والمعلبات والخبز والخضار، وينتج عن ذلك فساد تلك المواد التي يتحصل عليها أهالي المخيم بصعوبة.
أما محمود حلس الذي يعيش في مخيم إيواء غرب مدينة غزة، وأمام شح السموم المكافحة للقوارض، ابتكر حيلة بعد معاناة كبيرة استخدم خلالها الفخاخ لاصطياد القوارض ولم تنجح، بخلط السم مع المكمل الغذائي، ما مكنه من اصطياد عدد كبير من العرس، ويقول لصحيفة "فلسطين": إنه "اصطاد 40 عرسة وحده، وكان بشكل يومي يجمع القوارض الميتة ويقوم برميها، وأن موضوع إدخال السموم أمر مهم لمنع تكاثر الأعداد".
في حين يضطر أبو أحمد الذي يسكن بحي تل الهوا جنوب غرب مدينة غزة، إلى البقاء مستيقظا طوال الليل لرمي الحجارة على أماكن تجميع القمامة التي تتكاثر عليها المئات من القوارض حتى لا تهاجم أطفاله الصغار داخل خيمته، ويصف ذلك بأنها معاناة يومية مرهقة لا يمكن وصفها، ويقول لصحيفة "فلسطين": "أبقى مستيقظا حتى ساعات الصباح لأجل ملاحقة تلك القوارض ومحاولة إبعادها عن الخيمة".
آثار مباشرة
ويقول المختص في الشأن الإسرائيلي أمين الحاج: إن "انتشار القوارض في غزة ليس ظاهرة منفصلة عن واقع الحرب والإبادة الجماعية، بل هو أحد الآثار المباشرة لتدمير البنية السكنية والصحية وتراكم كميات هائلة من الأنقاض والنفايات، إلى جانب صعوبة الوصول إلى المياه وخدمات الصرف الصحي".
وعندما تصل آثار هذه المشكلة إلى المستوطنات المحيطة بغزة فهذا يوضح أن آثار الحرب البيئية والصحية لا تتوقف بالضرورة عند حدود القطاع.
وأضاف الحاج لصحيفة "فلسطين": "هنا يظهر الفرق بين صاحب الأرض والزائر، ما يعيشه صاحب الأرض يوميا قد لا يلفت انتباه الزائر حتى يصل إليه. المشكلة التي يعانيها السكان في غزة منذ فترة طويلة وتحت ظروف أشد قسوة لم تصبح موضع اهتمام إعلامي إسرائيلي بالقدر نفسه إلا عندما بدأت آثارها تمس المستوطنين وهذا يطرح سؤالا عن قيمة حياة المدنيين ومعاناتهم في الخطاب الإعلامي الذي يتناول القضية.
ورأى أن المشكلة في غزة والبعد الإنساني لها أكثر من مسألة لانتشار الفئران نفسها، لأن وجودها في مناطق مدمرة يعني أن السكان يعيشون وسط انقاض ونفايات وفي ظروف صحية شديدة الصعوبة، في حين تظل قدرتهم تجنبها أو تجنب خطرها محدودا.
والأخطر أن القوارض ليست سوى أعراض لأزمة إنسانية وبيئية أوسع، فالإنسان في غزة لا يواجه القوارض فقط بل بيئة مدمرة ومخاطر صحية ونقصا في الخدمات الأساسية ومخلفات الحرب، وفق الحاج.
وأشار الحاج إلى أنه من الصعب التعامل مع ما يواجهه المستوطنون باعتباره قصة منفصلة عن معاناة سكان غزة، لأن الطرفين لا يواجهان المشكلة تحت الظروف ذاتها، وهناك فرق هائل بين مستوطن تتوفر له خدمات البلدية والمياه والصحة وإمكانات المكافحة وفلسطيني يعيش وسط مدن مدمرة لا يستطيع الوصول إلى منزله أو إزالة الأنقاض حوله.
وتابع أن "التناقض يكمن في أن الجهة التي تتحدث عن نتائج المشكلة هي نفسها الطرف المتسبب بها (الاحتلال)، وفي الوقت نفسه يضع قيودا على إدخال المواد والمعدات اللازمة لمعالجتها، لذلك فإن السؤال ليس فقط: لماذا انتشرت القوارض؟ بل: لماذا لا يسمح بإدخال الوسائل اللازمة للتعامل مع البيئة التي أدت إلى انتشارها؟".
وأشار إلى أن الاحتلال يصنع الأزمة ثم يشتكي منها، فإذا كان الاحتلال يرى أن القوارض تمثل خطرا صحيا وبيئيا حقيقيا، فإن المنطق الإنساني يقتضي معالجة أسباب المشكلة في غزة أيضا وذلك من خلال السماح بإزالة الأنقاض والنفايات ودفن الشهداء وإدخال معدات المكافحة والمواد اللازمة وإعادة تشغيل خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة.

