تسببت حرب الإبادة التي يشنها الاحتلال على قطاع غزة منذ 3 سنوات في إحداث أضرار واسعة طالت مختلف مناحي الحياة، وكان قطاع التعليم من أكثر القطاعات وأبرزها تضررًا، بفعل تدمير المؤسسات التعليمية، واستمرار انقطاع الطلبة عن مقاعد الدراسة، واللجوء إلى التعليم الإلكتروني كحل بديل في ظل الظروف الاستثنائية. أما عن آثار الحرب على العملية التعليمية، فقد برز ملف العودة إلى التعليم الوجاهي كضرورة أساسية لتعويض الفاقد التعليمي، واستعادة الاستقرار النفسي والاجتماعي للطلبة، في ظل تحذيرات من مخاطر استمرار التعليم عن بُعد وتأثيراته طويلة الأمد على التحصيل الأكاديمي والنمو النفسي والاجتماعي للأجيال القادمة.
العودة إلى التعليم الوجاهي استثمار طويل الأمد في مستقبل الطلبة والمجتمع، فكلما كان الحضور منتظمًا والدعم متكاملًا أكاديميًا، نفسيًا، اجتماعيًا، زادت فرص التعافي الكامل والازدهار، مشددًا على أن الأهل والمعلمون والمدارس شركاء في هذه العملية، والعودة إلى المدرسة تمثل رمز صمود وأمل، وتعيد بناء علاقة الطفل بالتعلم وبذاته وبمجتمعه.
أهمية العودة إلى التعليم الوجاهي في قطاع غزة تكمن في كونه الأساس الفعال لتعويض الفاقد التعليمي، واستعادة الاستقرار النفسي والاجتماعي للطلبة، بعد فترات الانقطاع الناتجة عن الحرب، فالتعليم الوجاهي والحضوري يوفر بيئة تفاعلية مباشرة لا يمكن للتعليم عن بُعد أن يعوضها بالكامل، سواء على مستوى التحصيل المعرفي أو التنمية الشخصية، ثم إن تعويض الفاقد التعليمي "الخسارة التعليمية" هو الفجوة بين ما كان مخططًا له في المناهج وما اكتسبه الطلبة فعليًا بسبب انقطاع الدراسة وضعف جودة التعليم عن بُعد، فيما أكدت الدراسات والتجارب العالمية والعربية أن التعليم الوجاهي هو الركيزة الأساسية لاستدراك هذا الفاقد، لأنه يتيح تفاعلًا مباشرًا مع المعلمين أو الطاقم التدريسي، الذي يسمح بالتشخيص الفوري للفجوات وتقديم الدعم المتميز، إلى جانب أنشطة جماعية وتطبيقية تعزز المهارات الأساسية، مثل القراءة والحساب والتفكير النقدي والبناء.
لذا، فإن المدرسة الوجاهية ليست مجرد مكان للمعرفة، بل فضاء اجتماعي واسع يعيد بناء الشعور بالانتماء والأمان، مشيرًا إلى أن التفاعل اليومي مع الأقران (زملاء الدراسة) والمعلمين (الطاقم التدريسي) ينمي مهارات التواصل والعمل الجماعي وحل المشكلات، ويقلل من العزلة والقلق والاكتئاب التي تفاقمت خلال فترات الانقطاع، كما ترتبط زيادة أيام الحضور الوجاهي بانخفاض المشكلات العاطفية، مثل السلوك العدواني والانسحاب الاجتماعي والأعراض الجسدية والنفسية الملائمة نتيجة غياب التعليم الوجاهي وتعويضه بالتعليم الإلكتروني، ويعمل التعليم الوجاهي على تحسين الرفاه الذاتي والصحة المبلغ عنها ذاتيًا، مع استمرار هذه الفوائد لسنوات لاحقة.
الدعم النفسي والاجتماعي المدمج في البيئة الصفية، عبر مساحات للتعبير وأنشطة تفاعلية وبيئة داعمة، يساعد الطلبة على استعادة الدافعية والتركيز بفعل الصدمات أو حالة التوتر والقلق والخوف الملازم للنفس والذات نتيجة الحرب.
وهنا تقع مخاطر على استمرار انقطاع الطلبة عن الدراسة، والانقطاع المطول أو الغياب المزمن يرتبط بمخاطر متعددة ومركبة، وتكون هذه الآثار أشد على الطلبة من خلفيات محرومة أو الذين يعانون ظروفًا أسرية صعبة، وقد تستمر لسنوات. فهذه المخاطر تتمثل أكاديميًا في انخفاض ملحوظ في درجات الاختبارات، وتراجع التحصيل، وتكرار الصفوف، وانخفاض احتمالات التخرج والالتحاق بالتعليم العالي، بينما تشمل آثار المخاطر نفسيًا واجتماعيًا ارتفاع احتمالات المشكلات الصحية والنفسية، مثل القلق والاكتئاب والتوتر، وضعف الرفاه في مرحلة البلوغ المبكر، وانخفاض الثقة بالنفس والعزلة الاجتماعية والثقة بالآخرين، أما عن المخاطر السلوكية والتنموية، والتي تتمثل في زيادة السلوكيات الخطرة، وضعف المهارات الاجتماعية العاطفية، وصعوبة الاندماج لاحقًا في سوق العمل أو المجتمع.
الرسالة الختامية في المقالة: يجب على الأهالي تشجيع أبنائهم على العودة والانتظام في التعليم الوجاهي، من خلال التحدث الإيجابي والاستماع إلى مخاوفهم، وتعزيز الدافعية والمتعة، وربط التعلم بهوايات الطفل، والاحتفال بالإنجازات الصغيرة بعد العودة إلى مقاعد الدراسة، وأهمية التعاون والتواصل مع المعلمين لمتابعة التقدم والفجوات، إلى جانب الحفاظ على التربية الفكرية والأدبية وترسيخ قواعد الإيمان في القلوب والعقول، وتهذيب النفس من حيث السلوك والرغبة والإرادة والتقدم في هذه المرحلة لتجاوز الأمراض النفسية والحالات الطارئة لدى الطلبة، كذلك التوازن بين الدراسة والراحة واللعب الصحي، ودعم الطلبة نفسيًا ومراقبة علامات التوتر أو الانسحاب أو تدني المستوى الدراسي.

