فلسطين أون لاين

حين تسند العائلة أبناءها.. مبادرات تكافلية تصنع فسحة أمل في غزة

...
حين تسند العائلة أبناءها.. مبادرات تكافلية تصنع فسحة أمل في غزة
خانيونس/ ربيع أبو نقيرة:

لم تعد العائلات في قطاع غزة الذي أنهكته حرب الإبادة الإسرائيلية، تكتفي بمواجهة أعباء الحياة كل عبء على حدة، بل أخذت على عاتقها تنظيم مبادرات تكافلية ومجتمعية تسعى إلى تخفيف جزء من الأعباء عن أبنائها، ومساندتهم في تفاصيل حياتهم اليومية.

وتتنوع المبادرات بين توفير الغذاء والاحتياجات الأساسية، إلى صناعة لحظات من الفرح وتقديم الدعم للطلبة مع انطلاق العام الدراسي الجديد.

ومع تواصل الحرب والظروف المعيشية القاسية التي يعيشها النازحون، تحولت هذه المبادرات إلى شبكة اجتماعية تسعى إلى سد جانب من الاحتياجات المتزايدة، وتوزيع ما يتوافر من إمكانات وفق أولويات يفرضها الواقع، ولا سيما في مجالات الغذاء والتعليم ودعم الأطفال.

وتبرز المبادرات التعليمية بصورة خاصة مع بدء العام الدراسي، إذ تواجه الأسر صعوبة في توفير الحقائب والدفاتر والأقلام والقرطاسية، في وقت تتقدم فيه احتياجات المأوى والغذاء والمياه على كثير من المتطلبات الأخرى.

العلم مساحة للصمود

وتقدم عشيرة السطرية نموذجًا لهذا الدور المجتمعي، من خلال مواصلة تقليدها السنوي في تكريم الطلبة المتفوقين في الثانوية العامة، حيث نظمت مهرجان “فوج الإرادة والصمود” في نسخته الرابعة والعشرين.

ويقول رئيس مجلس عشيرة السطرية، د. محمد أبو جراد، إن المهرجان يجسد اهتمام العشيرة بالعلم ودعم الطلبة، ويؤكد أن الاستثمار في الإنسان والتعليم يمثل أولوية، خصوصًا في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها أبناء قطاع غزة.

وشهد المهرجان تكريم الطلبة المتفوقين وتقديم هدايا نقدية وعينية لهم، إلى جانب فقرات وطنية واحتفالية، فيما استُحضرت قصص عدد من الطلبة الذين واجهوا الفقد والظروف القاسية خلال مسيرتهم التعليمية، من بينهم من فقدوا آباءهم، وآخرون ارتقوا قبل إكمال امتحانات الثانوية العامة.

ويؤكد أبو جراد أن استمرار هذا التقليد السنوي يهدف إلى ترسيخ ثقافة التميز وتشجيع الأجيال الجديدة على مواصلة التعليم، وإيجاد مساحة من الفرح والاعتزاز وسط واقع فرضت فيه الحرب مشاهد النزوح والفقد على المجتمع الفلسطيني.

420 طالبًا في مبادرة واحدة

وفي نموذج آخر، يعمل تجمع أبناء وشباب عائلة أبو عليان على تنظيم مبادرات تستجيب للاحتياجات المتغيرة لأبناء العائلة، مستندًا إلى قاعدة بيانات تساعد على حصر الأسر وأعداد أفرادها والطلبة فيها وتحديد الأولويات.

ومع بداية العام الدراسي، أطلق التجمع مبادرة استهدفت 420 طالبًا وطالبة من أبناء العائلة والمحيط، شملت توفير القرطاسية والمستلزمات المدرسية بحسب المراحل التعليمية، من الابتدائية والإعدادية حتى الثانوية.

وجاءت المبادرة في وقت أصبحت فيه متطلبات الدراسة عبئًا إضافيًا على أسر تعاني أصلًا من النزوح وفقدان مصادر الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة، لتوفر للطلبة جزءًا من احتياجاتهم التعليمية وتمنحهم دفعة معنوية مع بداية العام الدراسي.

ويقول القائم على المبادرات، د. محمد إبراهيم أبو عليان، إن التجمع يحرص على تقديم الدعم بصورة تحفظ كرامة المستفيد، بحيث يشعر الطالب وأسرته بأن ما يقدم لهم هدية وتكريم من أبناء العائلة، وليس مجرد معونة.

ولا يقتصر نشاط التجمع على التعليم، إذ شملت مبادراته أيضًا توفير مساعدات غذائية وتنظيم احتفالات لتكريم الناجحين وتقديم الهدايا لهم، في محاولة للحفاظ على الروابط الاجتماعية وصناعة مساحات للفرح في ظل الحرب.

التكافل في مواجهة الأعباء

وبين سلة غذائية تصل إلى أسرة، وقرطاسية تمنح طالبًا فرصة لبدء عامه الدراسي، وهدية تُقدم لمتفوق، تتشكل صورة من صور التكافل المجتمعي الذي يحاول تخفيف آثار الحرب عن العائلات الفلسطينية.

ففي مجتمع أنهكه النزوح والفقد وتراجع الإمكانات، لا تقتصر قيمة هذه المبادرات على ما تقدمه من احتياجات مادية، بل تمتد إلى ما تحمله من رسائل اجتماعية ونفسية؛ بأن العائلة لا تزال قادرة على إسناد أبنائها، وأن المجتمع يستطيع أن يتقاسم الأعباء حين تصبح أكبر من قدرة الأسرة وحدها.

وهكذا تتحول القرطاسية إلى أكثر من أدوات مدرسية، والتكريم إلى أكثر من احتفال، والمساعدة الغذائية إلى أكثر من سلة؛ إذ تحمل جميعها معنى واحدًا: أن التكافل يبقى وسيلة لحماية الكرامة، ومساندة التعليم، وصناعة فسحة من الأمل في غزة.

المصدر / فلسطين أون لاين