فلسطين أون لاين

تحقيق الأرقام القياسيّة في الأقصى.. إستراتيجية الإحلال وتكريس الهيمنة

احتفت منظمة "بيدينو" المتطرفة، وهي إحدى الأذرع النشطة لما يُسمى "منظمات المعبد"، مع حلول "رأس السنة العبرية"، باقتحام نحو 69 ألف مستوطن باحات المسجد الأقصى المبارك، وأشارت المنظمة إلى أن عدد المقتحمين هذا خلال العام العبريّ الماضي، مشيرةً إلى أنه "رقم قياسي غير مسبوق"، وأنه "الأعلى على الإطلاق في تاريخ الاقتحامات". ولا تقف هذه القفزات عند حدود أعداد مقتحمي الأقصى في نهاية العام العبريّ أو الميلاديّ، فقد باتت الأعياد العبرية تشكل منحنى بيانيًا متصاعدًا، وتسعى أذرع الاحتلال المتطرفة إلى ترسيخ كلّ عيدٍ جديدٍ منها على أنه نقطة إنجازٍ متقدمة، تتجاوز الأرقام المسجلة في العيد نفسه من العام السابق. ولا شك في أن هذا الاحتفاء المتكرر من قِبَل أذرع الاحتلال يُدلّل على جملةٍ من الحقائق والتحولات الخطيرة التي تمس جوهر هوية المسجد الأقصى المبارك.

خطة إحلالية ممنهجة ورعاية حكومية

إن ما يشهده المسجد الأقصى، من تصعيدٍ ممنهج من العدوان عليه، يمثل جزءًا مركزيًا من خطة إحلالية تقودها أذرع الاحتلال المتطرفة، وتتبناها حكومة الاحتلال، وتقدم لها الدعم على الصعد الرسمية والأمنية. وتُعدّ هذه السياسة امتدادًا لمسار تصاعد منذ بدء حرب الإبادة على قطاع غزة والحروب التي شنتها دولة الكيان، وقد تجلت بشكلٍ كبير منذ النصف الثاني من عام 2025 وحتى اليوم. فقد شهد المسجد الأقصى سعيًا محمومًا من قبل أذرع الاحتلال لتحقيق قفزاتٍ في أعداد المقتحمين وطبيعة انتهاكاتهم.

ولم تعد الأعياد والمناسبات اليهودية محطات مركزية لتصعيد العدوان المباشر على المسجد فقط، حيث أضافت أذرع الاحتلال غاياتٍ جديدة، من بينها تحويل كل عيد من هذه الأعياد إلى محطة قائمة بذاتها من العدوان والتصعيد، سواء من حيث خطورة الانتهاكات والطقوس التي تُمارَس خلاله، أو من حيث الأهداف الرقمية التي تسعى أذرع الاحتلال لتحقيقها، وبات كل عيد من هذه الأعياد يشهد قفزة أخرى، تجعله أكبر اقتحام في العيد نفسه مقارنة بسنواتٍ مضت، وهكذا دواليك، قفزات متتالية، وعتبات رقمية، لا تفتأ أذرع الاحتلال تحاول تجاوزها.

الأعياد محطات لتسجيل الأرقام القياسية

يقدم استقراء تطورات العدوان على الأقصى في السنوات الماضية تصاعدًا في محاولات تجاوز العتبات الرقمية السابقة، حيث تسعى المنظمات المتطرفة لتجاوز ما حققته من حشود المقتحمين في الأعياد السابقة، حيث أصبحت هذه المناسبات مضمارًا تتسابق فيه أذرع الاحتلال لتجاوز الأرقام السابقة. فعلى سبيل المثال، شهد "عيد العُرش" في عام 2025، ذروة غير مسبوقة بمشاركة نحو 7119 مستوطنًا في اقتحام الأقصى خلال أيام هذا العيد.

وفي ذكرى ما يُسمى "خراب المعبد" في 23/7/2026، شهد الأقصى اقتحام نحو 4248 مستوطنًا باحات الأقصى، وهو الاقتحام الأعتى منذ احتلال القدس وبدء العدوان على الأقصى، بزيادة نحو 8% بالمقارنة مع الاقتحامات في المناسبة نفسها في عام 2025، وعلى الرغم من هذه الزيادة، إلّا أن "منظّمات المعبد" قد حددت هدفًا أكثر خطورة، معلنةً أنها تسعى إلى مشاركة نحو 5000 مقتحم في هذه الذكرى، وهو ما يُشير إلى تحول المؤشرات الرقمية إلى جزء مركزي مما تخطط له أذرع الاحتلال المتطرفة.

وانسحبت هذه السياسة إلى موسم الأعياد العبريّة الحاليّ، فقد سجلت اقتحامات الأقصى في "عيد الغفران" أكبر اقتحام شهده الأقصى خلال هذا العيد، إذ شارك في الاقتحام التعويضي الذي سبقه في 20/9/2026 نحو 992 مستوطنًا، بينما بلغت أعداد المشاركين في الاقتحام الفعلي يوم المناسبة في 21/9/2026 نفسها 686 مستوطنًا، أي أن العدد الإجمالي في يومي الاقتحام بلغ نحو 1678 مقتحمًا، وهو ما يعكس مسارًا متصاعدًا لا يكتفي بزيادة المجموع السنوي عامةً، بل يعمل على تحطيم السقوف الرقمية لكل عيد على حدة، تحضيرًا لفرض واقع عددي جديد، يشكل توطئة لما سيأتي بعده.

دلالات السعي نحو "الأرقام القياسية"

تحمل هذه القفزات العددية ووضع الأهداف الرقمية مسبقة لكل مناسبة، كما جرى في ذكرى ما يُسمى "خراب المعبد"، عددًا من الدلالات الخطيرة، يمكن تكثيفها في النقاط الآتية:

* قياس فرض السيادة والسيطرة: يقيس الاحتلال قدرته العملياتية على فرض السيادة الكاملة على المسجد الأقصى من خلال قدرته على تكثيف الحضور الاستيطاني وتأمين الحماية لهؤلاء المقتحمين، في مقابل محاصرة الوجود الإسلامي وإضعافه وتقييد وصول المصلين والمرابطين إلى المسجد.

* الاستثمار السياسي الداخلي: تشكل هذه الأرقام القياسية أداة دعاية يستخدمها اليمين المتطرف الحاكم ليثبت لجمهوره وقواعده الشعبية أنه يحقق نجاحات ملموسة في بسط الهيمنة اليهودية على المسجد، وأن الأقصى يتحول تدريجيًا من مقدّس إسلامي خالص إلى ساحة استباحة وتثبيت وجود للمستوطنين، ومن الواضح أن هذا المسار أصيل في خطاب اليمين، مع استخدامه بشكلٍ مكثف مع اقتراب انتخابات "الكنيست".

* تغيير الوعي العام: يهدف الإصرار على تحقيق قفزاتٍ في أعداد المقتحمين، والرهان على الأرقام الكبيرة، إلى تطبيع المشهد محليًا ودوليًا، بحيث تحوّل الاقتحامات من حدث خطير، يستدعي الغضب والرفض، إلى خبر يومي معتاد لا يثير ردود أفعال، وهو واحدٌ من الأهداف التي قطعت فيها أذرع الاحتلال أشواطًا كبيرة.

تصاعد التدنيس والانتهاكات

تنعكس آثار هذه القفزات العددية على أرض الواقع بصورةٍ مباشرة وعنيفة، من خلال مضاعفة الانتهاكات، حيث يسمح التفوق العددي الاستيطاني بتنفيذ المزيد من الانتهاكات داخل المسجد، وتثبيتها كأمرٍ دائم في مختلف ساحات المسجد، ولا سيّما ساحات الأقصى الشرقية، وتصبح هذه الانتهاكات الممنهجة متزايدة مع ازدياد أعداد المقتحمين، الذين يؤدون الطقوس العلنية، وما يتصل بالنفخ بـ"الشوفار"، وتهريب الأدوات الدينية اليهوديّة إلى المسجد، وأداء السجود الملحمي، وصولًا إلى محاولة تقديم القرابين الحيوانيّة، وإدخال القرابين النباتية، ويرفعون علم الكيان، إضافةً إلى الرقص والغناء في ساحات المسجد، وما يُمكن أن يقوموا به من تدنيسٍ يغيب عن عدسات التوثيق، من عبثٍ في حجارة المسجد، أو انتهاكٍ لبعض مواضعه، كما أشرنا في المقال السابق عن غياب التوثيق في الأقصى.

الأقصى في مرحلة حرجة

تؤكد هذه التطورات أن الاحتلال وأذرعه المتطرفة انتقلت من مرحلة "المطالبة بالتقسيم" إلى مرحلة "فرض الإحلال الديني الكامل" داخل المسجد، وتسخر المنظمات المتطرفة للمضي قدمًا في هذا الإحلال كل ما في جعبتها من أدواتٍ، وأولها تحقيق القفزات في أعداد مقتحمي الأقصى، وتتعامل معها على أنها أداة لتحقيق الإحلال، عبر تهيئة البيئة والاستمرار باستراتيجية "التأسيس المعنوي للمعبد"، إلى جانب أنها غاية في حد ذاتها، في سياق الأهداف التي أشرنا إليها آنفًا في المقال، فقد تحولت هذه الأرقام إلى أبرز مؤشرات تقدم مشروع الإحلال في المسجد الأقصى.

ولا ريب في أن مواجهة هذه القفزات العددية لا تكون إلا عبر استراتيجية مقابلة تعتمد على تكثيف الوجود الإسلامي في الأقصى، والسعي إلى تجاوز ما تفرضه أذرع الاحتلال من قيودٍ مختلفة، ودعم ثبات المقدسيين، وتفعيل الرباط اليومي في الساحات، إلى جانب تحريك الموقف السياسي والدبلوماسي العربي والإسلامي لوقف هذا التغول الذي يستهدف سلب الأقصى هويته الإسلامية الخالصة.

المصدر / فلسطين أون لاين