عندما اندلعت الحرب وطالت مناحي الحياة في قطاع غزة، لم يكن المصمم الجرافيكي ومدير المشاريع أحمد حسام الدين الطويل، يتخيل أن يبدأ فصلًا جديدًا من حياته المهنية بعدما دُمر منزله، ولاحقته آثارٌ نفسية لا تُمحى.
وبينما توسعت تداعيات الحرب وما رافقها من انقطاع التيار الكهربائي والاتصالات والانترنت، وأُربكت خططه وأحلامه، قرر أحمد عدم الوقوف مكتوف اليدين، وبدأ ترتيب مشاريعه وأفكاره للنهوض بمستقبله من جديد.
كان أحمد (21 عامًا) يعمل مصمم جرافيك مستقلاً قبل اندلاع الحرب في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وقد حمل منذ وقت مبكر فكرة مشروع ترفيهي للأطفال باسم "فيرو كيدز"، يجمع بين المجلات التفاعلية ومحتوى الرسوم المتحركة عبر الإنترنت.
وعلى الرغم من أن فكرته بدت مليئة بالحماسة، فإنها اصطدمت بعراقيل لم يتمكن من تجاوزها، نتيجة غياب فريق متخصص، ومحدودية الوقت والموارد اللازمة لبناء المشروع، ما أجبره على العودة إلى العمل الحر.
طموح لا يموت
لكن الفكرة لم تختفِ تمامًا، وشكلت بالنسبة له تجربة مبكرة في وقت شهد فيه قطاع غزة تراجعًا كبيرًا في فرص العمل بسبب الحرب. ولاحقًا، شارك أحمد في مسار إدارة وكالات العمل الحر ضمن مشروع "DigiWork"، الذي نفذته مؤسسة "ليدرز إنترناشونال".
وعن التدريب الذي تلقاه، يقول أحمد: كان تدريبًا عميقًا، أعترف أنه قدم لي مساعدة كبيرة وتجربة مليئة بالخبرات، وحققت نتائج مناسبة في المرحلة الأولى بعد إطلاق وكالة يوصل "yoosal"، المتخصصة في التسويق بالمحتوى وتطوير المواقع للمطاعم.
وقال أحمد، المدير التنفيذي حاليًا لوكالة "Yoosal": "هدفنا واضح، أن نصبح الرقم الأول في تسويق المطاعم في غزة، وقد حصلنا على تمويل من عدة مؤسسات لدخول السوق بقوة".
واختار لوكالته اسم "يوصل (Yoosal)"، ليعكس فكرتها الأساسية؛ أن يصل المحتوى إلى الجمهور، وأن يصل النشاط التجاري إلى موقع أفضل في سوقه، وهي وكالة يتركز عملها على المطاعم والمقاهي، وتقديم خدمات التسويق بالمحتوى، وتطوير المواقع والمنيو الإلكتروني، والإدارة التسويقية الشاملة.
يضيف: "اكتسبت خبرة كبيرة في قراءة البيانات، وفهم الجمهور، وبناء خدمات تلبي احتياجات السوق".
وبالفعل أصبح أحمد يعرف جيدًا كيف يُسعّر خدماته، ويكتب عرضًا مهنيًا، ويفاوض العميل بوضوح، ويحلل الفرص قبل استثمار الوقت والجهد فيها.
أسلوب قديم قابل للتجديد
وكان أحمد قبل التحاقه بمسار إدارة وكالات العمل الحر، يراقب عن كثب طريقة تسويق المشاريع في غزة عبر منصات التواصل الاجتماعي، وقد لاحظ أن المحتوى التسويقي كان في كثير من الأحيان متكررًا وعشوائيًا، وأن ارتفاع المشاهدات لا يعني بالضرورة نجاحًا حقيقيًا أو زيادة في المبيعات.
وفي كثير من الحالات، كانت المشاهدات تأتي بسبب ارتباط المنشور بحدث شائع، مثل حفلات تخرج الطلبة أو موضوعات مرتبطة بالحرب، فتكون مشاهدات عابرة لا تنعكس بالضرورة على سلوك الجمهور أو قراره بالشراء.
ويدرك أحمد أن التسويق ليس مجرد عرض منتج أو خدمة فحسب، بل يمكن أن يكون قصة تدفع الجمهور إلى التفاعل. وقد لاحظ أن العدد المتزايد من المطاعم والمشاريع التي ظهرت في غزة بعد الحرب، لم يتغير مُحتواها على منصات التواصل الاجتماعي كثيرًا عما كان عليه قبل الحرب.
ورافق ذلك شعوره بأن الوقت حان للعودة إلى الفكرة، ولكن بطريقة مختلفة تضمن مساعدة المشاريع على تغيير طريقة تقديم نفسها، ليس بمجرد إنتاج صور أو فيديوهات أكثر جودة، وإنما بصناعة محتوى يجعل الجمهور يتذكر المكان ويرتبط به.
حضور رقمي رغم التحديات
وقال أحمد عن التحديات التي واجهت مشروعه: "كانت محدودية الوصول إلى الإنترنت من أكبر التحديات التي واجهتنا. وفي بعض الأحيان، كنا نضطر أنا وأحد أعضاء الفريق، وكان عددنا حينها اثنين فقط، إلى الذهاب إلى أحد المقاهي حتى نتمكن من العمل والتواصل عبر الإنترنت".
حتى في أصعب الظروف، وفق أحمد، كان الهدف ألا يخرج العميل من الموعد المتفق عليه من دون شيء يمكنه استخدامه. وفي الحالات التي يتعذر فيها تسليم المشروع بالصيغة النهائية في الموعد المحدد، كان يطلع العميل مسبقًا على أسباب التأخير، وأن يحصل في المقابل على نسخة أولية قابلة للاستخدام إلى حين استكمال التطوير.
أما عن حضوره الرقمي بعد مشاركته في مسار إدارة وكالات العمل الحر، فيشير إلى أنه وفريقه، يعلمون حاليًا على بناء معرض أعمال منظم يعكس هوية الوكالة وطريقة عملها.
ويشير إلى أن الوكالة بدأت التواصل مع عدد من المطاعم المعروفة لتصوير وإنتاج فيديوهات تمثل مستوى متميز من الإنتاج، لتكون جزءًا من معرض أعمالها وحضورها الرقمي.
وأضاف: نحن ما زلنا في بداية عمل الوكالة، لذلك فإن العملاء الذين نتعامل معهم حاليًا ما زالوا في مراحل العمل الأولى".
خدمة العملاء.. مهنية عالية
وتابع: "من أحدث العملاء الذين عملنا معهم؛ فرقة موسيقية جديدة من الضفة الغربية تحمل اسم (أندلسيا). كانت الفرقة في بداياتها، وتواجه مجموعة تحديات بينما الوقت المتاح أمام أصحابها كان محدودًا، ومصطلحات العمل لم تكن واضحة بالنسبة لهم، رغم امتلاكهم منتجًا يمكن أن يجد جمهورًا".
ووفق أحمد، كان القائمون على الفرقة الموسيقية يفكرون في التسويق قبل بناء المشروع نفسه، وطلبوا في البداية إنتاج فيديوهات وتحريكها، بينما لم تكن لديهم هوية أو مواد جاهزة يمكن البناء عليها. وقد بدأنا بمعالجة هذه المشكلات من الأساس، اجتمعنا مع الفريق وشرحنا لهم المصطلحات المتعلقة بالأعمال، وأهمية دراسة الجدوى قبل الانتقال إلى التسويق.
ويقول: "بعد ذلك بدأنا ببناء الهوية البصرية للفرقة، وأعددنا لها ملفًا متكاملًا يتضمن الإرشادات اللازمة لاستخدام الهوية، حتى يكون لديها أساس واضح يمكن البناء عليه في مراحل التسويق والتوسع المقبلة".
وتعكس تجربة أحمد وفريقه ما يحاولون ترسيخه في وكالة "Yoosal" للتسويق للمطاعم، في حين يصاحبهم طموح أن تصبح الوكالة الرقيمة شريكًا يفهم المشروع قبل أن يبدأ في تسويقه، لا مجرد جهة تنفذ طلبات متفرقة".
أما بالنسبة لأحمد، فقصة نجاحه لا تروي حكاية شاب تجاوز الصعوبات ووصل إلى مرحلة مثالية، بل حكاية إنسان يحاول أن يبني مؤسسة تحاصرها آثار الحرب، ونقطة انطلاق جديدة لم يمتلك صاحبها المال أو المكان أو الظروف المثالية.

