لم يكن رجل الشرطة المقدم مجدي محمد عبد العال، المعروف بين أهله وأبناء مدينته بـ"أبو المجد"، يرى في الحرب سببًا للتواري عن الميدان، بل ظل متمسكًا بعمله، مؤديًا مهامه في حفظ النظام وتأمين المواطنين والمساعدات، حتى اللحظة التي استهدفته فيها طائرات الاحتلال في أثناء عودته إلى أسرته، في 7 فبراير/ شباط 2024.
كان عبد العال مسؤول قوات التدخل وحفظ النظام في جهاز الشرطة بمحافظة رفح، جنوبي قطاع غزة، إحدى أكثر المناطق التي شهدت حركة نزوح واسعة خلال الحرب، وما رافقها من ضغط أمني وإنساني كبير.
وبينما كانت مظاهر الحياة اليومية تنهار تحت القصف، بقي رجال الشرطة العاملون في الميدان أمام مسؤولياتهم في تنظيم شؤون المواطنين، والاستجابة للحوادث، وتأمين مراكز الإيواء ومخازن المساعدات والشاحنات.
وتوثّق صحيفة "فلسطين" سيرة عبد العال الذي كان أحد ضباط جهاز الشرطة الذين واصلوا أداء واجبهم خلال الحرب على غزة، قبل أن تطالهم نيران الاحتلال في مواقع عملهم أو أثناء تأديتهم لمهامهم، لتبقى سيرهم جزءًا من الذاكرة الإنسانية والمهنية للقطاع.
أسير محرر ورجل شرطة
ولد مجدي عبد العال عام 1980، ونشأ في مخيم الشابورة بمدينة رفح، وفق ما تروي زوجته يقين بالله.
وفي مقتبل شبابه، اعتقلته قوات الاحتلال، وقضى في سجونها 12 سنة قبل أن يتحرر عام 2011. وأضافت يقين بالله لصحيفة "فلسطين": "بعد خروجه من الأسر في أغسطس/ آب من ذلك العام، لم يمكث طويلًا دون عمل، فالتحق بجهاز الشرطة، وتزوج في ديسمبر/ كانون الأول من العام نفسه، لتبدأ مرحلة جديدة من حياته جمع فيها بين حياته الاجتماعية والعمل الشرطي".
وتروي زوجته أن مجدي تنقل خلال خدمته بين عدد من وحدات الشرطة، وقد عمل في جهاز التحقيق، ثم في الأمن، والمباحث، والقوات الخاصة، قبل أن يتولى في الفترة الأخيرة مسؤولية قوات التدخل وحفظ النظام.
وتصفه بأنه كان "نِعم الزوج ونِعم الأب"، مشيرة إلى أنه كان حنونًا، محترمًا، يتحمل المسؤولية ويهتم بأسرته وأطفاله الخمسة.
وتقول زوجته: إن "والده كان مقعدًا، وكان مجدي يتولى رعايته والاهتمام بشؤونه، كما كان شديد البر بوالدته التي استشهدت في الحرب قبل استشهاده بنحو شهرين".
أما شقيقه محمود، فيستعيد صورة أخرى من شخصية مجدي داخل الأسرة؛ إذ كان، رغم كونه الأصغر بين إخوته، محل ثقة الجميع، يعود إليه أفراد العائلة في شؤونهم ومشكلاتهم، حتى أصبح بالنسبة إليهم مرجعًا في كثير من التفاصيل.
العمر واحد
ومع اندلاع الحرب، لم يتخلَّ مجدي عن عمله، رغم المخاطر المتزايدة التي أحاطت بعناصر الشرطة ومركباتهم بسبب عمليات الاغتيال المكثفة التي طاولت عناصر وضباط جهاز الشرطة.
وتروي زوجته أن الأسرة كانت بالكاد تراه خلال الحرب، إذ كان يغيب عنها أربعة أو خمسة أيام متواصلة، ثم يعود لفترة قصيرة، أو يكتفي بالاتصال للاطمئنان عليهم.
وفي مراحل الحرب، كان عبد العال مسؤولًا عن تأمين مواقع ومخازن المساعدات، بما فيها مخازن التموين والبركسات التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، إلى جانب مهام حفظ النظام وتأمين مراكز الإيواء.
وتشير زوجته إلى أن تلك الفترة شهدت ضغوطًا أمنية كبيرة، ومحاولات اعتداء على مواقع المساعدات، وأن مجدي أصيب خلال إحدى الحوادث، وتعرض لكسر في إصبع قدمه، لكنه لم يتخذ من الإصابة ذريعة للتوقف عن العمل.
وتضيف، إنه كان يرد على مخاوفها عليه بالقول: "الخوف واحد والعمر واحد"، في إشارة إلى تمسكه بمواصلة عمله رغم ما كان يحيط به من مخاطر.
وبحسب شقيقه محمود، كان مجدي يعمل لساعات طويلة، ويحرص على تأمين أفراد الشرطة قبل أن يتابع مهامه، كما شارك في تأمين حركة شاحنات المساعدات ومراكز الإيواء، مع وجود مئات آلاف النازحين في رفح.
حتى آخر يوم
وقبل استشهاده بنحو أسبوع، كان مجدي يتولى مهام حفظ النظام في مدرسة دير السبع، حيث تجمع أعداد كبيرة من النازحين وسط ظروف صعبة وفوضى وضغط متزايد.
وتقول زوجته: إن استهداف مركبة للشرطة دفعه إلى اتخاذ مزيد من الاحتياطات، فقرر التخفي لفترة، بحيث يستطيع مواصلة تأمين نفسه ورجال الشرطة من حوله دون أن يظل في حركة مكشوفة، لكن تلك الاحتياطات لم تمنع استهدافه في النهاية.
في السابع من فبراير/ شباط 2024، كان مجدي في طريقه إلى أسرته بعد غياب أسبوع عنهم، وكان قد أمضى جزءًا من ذلك اليوم مع شقيقه محمود، الذي يقول: إنه نام إلى جواره قبل أن يغادر، وكان يحمل معه أغراضًا اشتراها لابنته الصغيرة، متجهًا إلى منزله لتناول الغداء مع زوجته وأطفاله.
وخلال الطريق، أصابت صواريخ الاحتلال السيارة التي كان يستقلها، عند مفترق جمعية الصلاح في مخيم الشابورة.
كان محمود في طريق عودته من عمله عندما بدأت الاتصالات تصل إليه للسؤال عن مكانه، ثم علم من أفراد العائلة أن شقيقه أصيب، بحث عنه بين المستشفيات، حتى عثر عليه شهيدًا في مستشفى النجار.
آخر ما بقي للعائلة
لم تكن زوجته قد رأته في الأيام الأخيرة قبل استشهاده إلا عبر الاتصالات، إذ كان وجوده في الميدان أطول من وجوده في المنزل.
وتستعيد يقين بالله آخر أحاديثهما، فتقول: إنها كانت تطلب منه باستمرار أن يحافظ على نفسه وألا يعرّض نفسه للخطر، لكنه في المقابل ظل مصممًا على البقاء في موقعه.
وكانت الأسرة قد نزحت إلى مدرسة تحولت إلى مركز إيواء للنازحين، فيما كان مجدي يرفض مغادرة مواقع العمل.
واليوم، يحمل أطفاله الخمسة ذكراه، ويستعيدون تفاصيله التي لم تغب عنهم. تقول يقين الله: "إنهم يشتاقون إليه كثيرًا، ويتذكرونه باستمرار".
أما شقيقه محمود، فيصفه بأنه كان حاضرًا في حياة أسرته ومجتمعه، وقد عرفوه أبناء رفح رجلًا يؤدي مهمته ويحاول توفير الأمن للناس في ظروف بالغة القسوة.

