فلسطين أون لاين

نادر سعدية.. شرطي ظل سندًا لعائلته وشعبه حتى استشهاده

...
نادر سعدية.. شرطي ظل سندًا لعائلته وشعبه حتى استشهاده
غزة/ هدى الدلو:

في البيت الذي استأجرته عائلة نادر عبد الكريم سعدية في خربة العدس بمدينة رفح، جنوبي قطاع غزة، كان يفترض أن يكون النزوح محطة مؤقتة فرضتها الحرب، لكن في 27 مارس/ آذار 2024، تحوّل المكان إلى مسرح لفاجعة فقدت فيها العائلة 13 شخصًا من أقاربها، بينهم والدا نادر وشقيقه وابنه وزوج شقيقته، إلى جانب عدد من المصابين، في حين نجت اثنتان من بناته من جريمة إسرائيلية جديدة راح ضحيتها عدد من المدنيين.

وترك نادر (39 عامًا) منذ رحيله فراغًا لا يشبه غياب شخص عادي؛ فقد كان، كما يصفه شقيقه محمد، "الكل في الكل".

"كان أكبر من عمره"

كان نادر ثاني الأبناء في عائلة مكونة من ثلاثة أبناء وابنتين، ويقول شقيقه محمد لصحيفة "فلسطين": "شخصيته ظهرت مبكرًا، وإن والده كان يعتمد عليه رغم وجود شقيق أكبر منه".

ويضيف محمد: "منذ صغره كان نادر مرحًا، شخصيته مميزة، ويتحمل المسؤولية، ما جعله يظهر كأنه أكبر من عمره، وكان والدي يعتمد عليه كثيرًا، ويعده يده اليمنى، ويثق به في كل شيء".

ويتذكر محمد علاقته بنادر وشقيقهما نبيل في طفولتهم، خصوصًا أن نادر كان أقوى بنية منهم، ويتابع حديثه: "كان جسمه أقوى مني ومن نبيل، وكان مسيطرا علينا، فكان هو الزعيم بيننا، وكانت غلبته كثيرة وهو صغير، لكن روحه كانت حلوة".

هذه الشخصية لم تتغير مع تقدمه في العمر، بل تحولت إلى اعتماد حقيقي عليه داخل الأسرة.

يواصل محمد حديثه: "كان الكل يرجع له في أي موضوع أو قرار، صغيرا كان أو كبيرا، كنا نتشاور معه ونأخذ رأيه، حتى والدي ووالدتي كان دائمًا يحاول يكون قريبًا منهما".

عمل مبكر ودراسة

منذ المرحلة الثانوية، اختار نادر أن يتحمل مسؤولية نفسه، بدأ العمل منذ الصف الثاني الثانوي، وكان يؤمّن مصروفه الشخصي، بالرغم من أن ذلك لم يكن بسبب ضائقة مالية تعيشها العائلة.

ويكمل محمد: "هو من نفسه كان يحب أن يكون له دخل خاص به، ما كان الموضوع لأن وضعنا المادي سيئ، لكنه كان عنده طموح، وكان يحب أن يعتمد على نفسه ولا يطلب شيئا من أحد".

وقد عمل نادر فني ألمنيوم في شركة خاصة، وفي الوقت نفسه واصل دراسته الجامعية، واختار جامعة القدس المفتوحة وتخصص في الإدارة، لأن نظامها ساعده على الجمع بين الدراسة والعمل.

الشرطة مسؤولية

وقد جعل الالتزام وحب النظام العمل الأمني مناسبًا لشخصيته، بحسب شقيقه، فالتحق نادر بجهاز الأمن الداخلي وعمل فيه ثماني سنوات، ثم انتقل إلى الاستخبارات العسكرية، قبل أن يعمل في الشرطة المدنية ضمن قسم عمليات الشرطة في مركز الزيتون.

ويقول محمد: "نادر كان ملتزمًا وحريصًا، ويحب النظام، وكان العمل بالنسبة له مسؤولية وأمانة، كان شخصًا يؤتمن تأتمنه على الأسرار، ولا يخذل أحدا".

ولم تقتصر علاقته بالناس على محيطه العائلي، إذ كان، وفق شقيقه، يحاول مساعدة الآخرين حتى في نطاق عمله، مضيفًا: "كان خدومًا مع الناس، مش بس مع أهله، حتى مع المساجين وأهاليهم كان يحاول أن يخدمهم ويساعدهم".

ونزحت عائلة نادر في 13 أكتوبر/تشرين الأول 2023، لكنه لم يترك عمله، فظل يتنقل يوميًا بين الجنوب ومدينة غزة، إلى أن أغلقت الطريق أمامه ولم يعد قادرًا على العودة بسيارته.

ويتابع محمد: "كان يروح ويرجع كل يوم من الجنوب لغزة عشان شغله".

ويضيف: "تأثر كثير لأنه صار بعيد عن شغله، وبعد فترة رجع ومارس عمله في الجنوب".

ولم يمنعه ابتعاده عن والديه خلال النزوح عن متابعة أحوالهما، "كان يحاول أن يظل قريبًا من أبوي وأمي، إذا ما قدر يجي لعندهم، كان يتواصل معهم على الجوال، وكان همه أن يظل مطمئنا عليهم".

آخر الذكريات

في 18 رمضان 2024، كان نادر يجلس أمام البيت الذي نزحت إليه العائلة في رفح، يمازح المارة ويتبادل الحديث والضحك معهم، كانت تلك من آخر الصور التي يحتفظ بها شقيقه عنه، في ذلك اليوم وقع الاستهداف الإسرائيلي الذي أنهى حياته وحياة 12 آخرين من أفراد عائلته.

لم يكن استشهاد نادر بالنسبة لمحمد فقدان شقيق فحسب، بل غياب الشخص الذي اعتادت الأسرة الرجوع إليه في شؤونها.

يختصر محمد مكانته داخل العائلة قائلًا: "نادر كان محطة في كل شيء، كنا نرجع له ونأخذ رأيه، وكان حاضرًا معنا في كل قرار، بغيابه فقدنا شخصًا كان له دور كبير في العائلة، وفقدنا سندًا كنا نعتمد عليه".

رحل نادر وابنه عبد الكريم معًا، وبقيت ابنتاه تحملان في ذاكرتهما صورة الأب الذي لم يعد من رحلة النزوح.

المصدر / فلسطين أون لاين