فلسطين أون لاين

المشاطيح.. خشب يُعاد تدويره لمواجهة أزمة الأثاث في غزة

...
الغزيون يلجأون لإعادة تدوير «المشاطيح» في صناعة الأثاث المنزلي والمدرسي
غزة/ رامي رمانة:

في الوقت الذي تواصل سلطات الاحتلال منع إدخال الأخشاب ولوازم أعمال النجارة إلى قطاع غزة، يلجأ الغزيون إلى إعادة تدوير «المشاطيح» في صناعة الأثاث المنزلي والمدرسي، في محاولة للتغلب على النقص الحاد في المواد الخام وارتفاع أسعارها.

و«المشاطيح» هي قطع من الألواح الخشبية تُرتب بشكل هندسي على هيئة مستطيل أو مربع، وتُستخدم لوضع البضائع والمساعدات التي يُسمح بإدخالها إلى القطاع فوقها في أثناء عمليات النقل والتوريد.

ويعمل المواطنون والنجارون على إعادة استخدام هذه الألواح، إذ تُفكك وتُنزع منها المسامير، ثم تُقص ويُعاد رصّها وفق الأحجام والأشكال المطلوبة، لتتحول إلى مقاعد دراسية وخزائن وطاولات، وحتى أسرّة.

يقول تاجر الأخشاب أبو سامي فياض إن المشاطيح أصبحت مصدرًا مهمًا للأخشاب التي يبحث عنها المواطنون مع النقص الحاد في المواد الخام، موضحًا أنه يعرض ما يتوفر منها في الأسواق المحلية للبيع للراغبين في استخدامها في صناعة الأثاث أو في أعمالهم المختلفة.

ويبيّن فياض لصحيفة "فلسطين" أن الأخشاب التي تصل إلى التجار، سواء من المواطنين الذين يجمعونها أو من التجار الذين يستوردون البضائع، يجري فرزها وتصنيفها وفق درجة جودتها وحالتها، قبل طرحها في الأسواق بأسعار متفاوتة.

ويوضح أن بعض الألواح تُباع بنحو 100 شيكل، في حين تباع أخرى بنحو 70 شيكل، وترتفع أسعار أنواع أخرى بحسب جودتها وحجمها ومدى صلاحيتها لإعادة الاستخدام.

WhatsApp Image 2026-09-22 at 5.17.13 PM (2).jpeg
 

ويشير فياض إلى أن الطلب على هذه الأخشاب شهد ارتفاعًا ملحوظًا خلال المدة الأخيرة، بالتزامن مع عودة عدد من المواطنين إلى منازلهم ومحاولتهم إعادة ترتيب حياتهم وتأمين احتياجاتهم الأساسية، إضافة إلى استخدامها في تجهيز المقبلين على الزواج، مع صعوبة الحصول على الأخشاب الجديدة وارتفاع أسعارها.

ويضيف أن استخدام المشاطي حلم يعد مقتصرًا على صناعة قطع الأثاث الكبيرة، بل بات المواطنون يعتمدون عليها في تصنيع خزائن بسيطة وكراسٍ وطاولات، إلى جانب استخدامها من أصحاب الأكشاك الصغيرة التي يبيعون من خلالها القهوة والشاي، في محاولة لتوفير مصدر رزق وسط الظروف الاقتصادية الصعبة.

مخازن شبه خالية

ويقول محمد رمضان، أحد النجارين المتوقفين عن العمل منذ الحرب، إن استمرار منع إدخال الأخشاب إلى قطاع غزة أدى إلى ارتفاع أسعارها بصورة كبيرة، موضحًا لـ«فلسطين» أن مخازن الأخشاب أصبحت شبه خالية، وما يتوافر منها محدود جدًا وبأسعار مرتفعة، الأمر الذي جعل السوق يعاني نقصًا حادًا في  المادة الأساسية.

ويضيف لصحيفة "فلسطين" أن الحرب أدت كذلك إلى تدمير عدد كبير من المناجر، فضلًا عن تضرر المنازل وما تحتويه من أثاث ومستلزمات خشبية، ما أدى إلى تعطّل قطاع النجارة بشكل كبير.

ويبين أن النجارين يلجؤون إلى شراء المشاطيح من التجار الذين يستوردون البضائع، بأسعار متفاوتة، كما يحصلون عليها من مواطنين يقومون بجمعها وتجميعها، قبل إعادة تجهيزها للاستخدام.

وبعد ذلك تُنزع المسامير منها، وتُعاد معالجة الأخشاب وترتيبها بحسب الأحجام والأشكال، لتصبح صالحة للاستخدام من جديد، في عملية باتت تمثل بديلًا اضطراريًا في ظل صعوبة الحصول على الأخشاب الجديدة.

WhatsApp Image 2026-09-22 at 5.17.12 PM.jpeg
 

كما يشير رمضان إلى أن المواطنين لجؤوا أيضًا إلى إعادة استخدام الصناديق الخشبية التي تُخصص لحماية الخيام واللوازم التي تدخل إلى قطاع غزة، ولا سيما الخيام التي توفرها المؤسسات الأجنبية للمستشفيات والمرافق الطبية، إذ يجري تفكيك هذه الصناديق والاستفادة من أخشابها في صناعة قطع أثاث جديدة.

في المقابل، يصف النجار أيمن الطهراوي حال قطاع النجارة في قطاع غزة بأنه وصل إلى شلل كامل، بعدما أدى استمرار منع إدخال الأخشاب والمواد الخام ولوازم الإنتاج إلى توقف عدد كبير من المناجر، وتحول ما تبقى منها إلى العمل بقدرات محدودة وفي ظروف تشغيلية بالغة الصعوبة.

ويقول الطهراوي لـ"فلسطين"، الذي يعمل في مهنة النجارة منذ 15 عامًا، إن الأزمة لم تعد تقتصر على توقف الإنتاج، بل امتدت إلى أسعار المواد المتاحة في السوق، التي شهدت ارتفاعات قياسية نتيجة الندرة الحادة. ويوضح أن أسعار الأخشاب والمواد المرتبطة بها ارتفعت بنحو مئة ضعف، في وقت لم يعد فيه الحرفيون قادرين على تأمين احتياجاتهم الأساسية لاستمرار العمل.

ويضيف أن الحرب فاقمت أزمة الأخشاب، بعدما اضطر بعض المواطنين إلى استخدام ما يتوفر منها كوقود للتدفئة والطهي، في ظل شح مصادر الطاقة وارتفاع كلفة البدائل، ما أدى إلى استنزاف كميات إضافية من الأخشاب المتاحة أصلًا بكميات محدودة.

وينبه الطهراوي إلى أن  الواقع انعكس مباشرة على أسعار الأثاث، ضاربًا مثالًا بغرف النوم التي كانت تُباع قبل الأزمة بأسعار تتراوح بين 700 و3 آلاف شيكل، في حين تراوح سعرها حاليًا بين 3 آلاف و12 ألف شيكل، بحسب الجودة وتوفر المواد الخام.

ولا تتوقف أزمة القطاع عند الأخشاب، إذ تعاني الأسواق من نقص شبه كامل في الدهانات ومواد التشطيب وغيرها من المستلزمات الأساسية. وحتى عندما تتوفر بعض هذه المواد، فإن أسعارها المرتفعة تجعل شراءها عبئًا يفوق قدرة كثير من أصحاب المناجر والحرفيين، ما يعيق استكمال الأعمال ويزيد من تكلفة أي قطعة أثاث تُنتج في القطاع.

ويؤكد الطهراوي أن أزمة الكهرباء شكلت عاملًا إضافيًا في خنق القطاع، إذ اضطر أصحاب الورش إلى الاعتماد على بدائل مكلفة لتشغيل المعدات، ما رفع تكاليف الإنتاج إلى مستويات لم تعد معها مواصلة العمل مجدية لكثير من أصحاب المهن. ونتيجة لذلك، أغلقت ورش أبوابها مؤقتًا، في حين اضطر آخرون إلى تقليص العمل والإنتاج إلى الحد الأدنى.

ويطالب بتدخل عاجل لتسهيل إدخال الأخشاب والمواد الخام ومستلزمات التشغيل، بما يسمح بإعادة تحريك عجلة الإنتاج والحفاظ على ما تبقى من  القطاع الحرفي، الذي كان يشكل مصدر رزق لآلاف العاملين قبل الحرب.

وبحسب اتحاد الصناعات الخشبية، كانت منتجات الصناعات الخشبية في غزة تُسوَّق قبل الحرب بنسبة 80% في السوق الإسرائيلية و20% في سوق الضفة الغربية، ما يبرز حجم الخسارة الاقتصادية التي تكبدها القطاع بعد توقف التصدير وتعطل الإنتاج.

كما يشير الاتحاد إلى أن عدد الوحدات الإنتاجية التي كانت تعمل في الصناعات الخشبية، من مصانع وورش، بلغ نحو 450 منشأة قبل الحرب.

المصدر / فلسطين أون لاين