فلسطين أون لاين

غزة.. حين يصبح البقاء خبرًا يوميًّا

في غزة، لم يعد الصباح يشبه بداية يوم جديد بقدر ما يشبه اختباراً آخر للبقاء. هنا، إذ تركت الحرب وراءها مدناً مثقلة بالركام، وبيوتاً فقدت جدرانها وأمانها، لا تزال الحياة تبحث عن مساحة صغيرة بين الأنقاض لتستمر.

وبالرغم من مرور قرابة سنة على وقف إطلاق النار، فإن الهدوء لم يتحول إلى سلام كامل. فقد استمرت أعمال العدوان الإسرائيلي وسقوط الشهداء، في حين بقيت آثار الحرب حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية، من نقص الوقود والطاقة إلى تضرر المستشفيات والمنازل وشحّ المعدات اللازمة لإزالة الركام. وتشير تقارير حديثة إلى استشهاد أكثر من 1,300 فلسطيني في غزة منذ بدء وقف إطلاق النار، بحسب بيانات نقلتها رويترز، وسط تبادل الاتهامات بين إسرائيل وحماس بشأن خروقات الهدنة.

وفي مشهد يلخص حجم المأساة، انهار في مدينة غزة في منتصف سبتمبر مبنى سكني متضرر من الحرب، ما أدى إلى استشهاد ما لا يقل عن 20 فلسطينياً، بينهم أطفال، فيما واصلت فرق الإنقاذ البحث عن ناجين تحت الأنقاض وسط نقص حاد في المعدات الثقيلة. المبنى، الذي كان واحداً من آلاف الأبنية المتضررة، أصبح ملجأً لعائلات نازحة لم تجد مكاناً أكثر أمناً.

إن المأساة في غزة لم تعد مرتبطة فقط بما يحدث لحظة القصف أو الاشتباك؛ فقد انتقلت آثار الحرب إلى ما بعد توقف أصوات المدافع. مبانٍ مهددة بالانهيار، مستشفيات تكافح لتشغيل مولداتها، وعائلات تعيش في أماكن تفتقر إلى الحد الأدنى من شروط الأمان. وفي المستشفيات، تحولت أزمة الوقود وقطع الغيار إلى خطر إضافي يهدد استمرار الخدمات الطبية، بينما تواجه العائلات صعوبة متزايدة في الحصول على الكهرباء.

أما المساعدات الإنسانية، فما زالت تصل وسط قيود وتعقيدات كبيرة. وتقول الأمم المتحدة إن الاحتياجات الإنسانية لا تزال واسعة، فيما يعيش معظم سكان القطاع في ظروف نزوح واكتظاظ، وسط تضرر البنية التحتية وانحسار القدرة على إنتاج الغذاء. وكانت الأمم المتحدة قد أشارت في أغسطس إلى أن خطر الجوع الحاد انخفض، لكنه لم يختفِ، في حين لم يتبقَّ سوى جزء ضئيل من الأراضي الزراعية القابلة للاستخدام في غزة.

وفي قلب هذه الصورة القاسية يقف الإنسان الفلسطيني، لا بوصفه رقماً في نشرات الأخبار، وإنما بوصفه أباً يبحث عن سقف، وأماً تحاول تأمين وجبة لأطفالها، وطفلاً يحمل ذاكرة أكبر من عمره. خلف كل رقم في قوائم الضحايا قصة منزل، وعائلة، وحياة كانت تمضي في طريقها قبل أن تقطع الحرب ذلك الطريق.

لكن غزة اليوم تواجه معركة أخرى لا تقل صعوبة عن معركة البقاء: معركة إعادة بناء ما تهدم. فإعادة الإعمار لا تعني تشييد الأبنية وحدها، بل إعادة تشغيل المستشفيات والمدارس وشبكات المياه والكهرباء، وإزالة ملايين الأطنان من الركام، وخلق ظروف تسمح للسكان بالعودة إلى حياة طبيعية. وهذه المهمة تبدو ضخمة مع استمرار القيود ونقص التمويل والمواد اللازمة للبناء.

وفي الوقت نفسه، ينتقل ملف غزة إلى مساحة دبلوماسية أوسع مع اقتراب اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث تبقى القضية الفلسطينية والحرب في غزة من الملفات الرئيسية على جدول اهتمام قادة العالم.

وبين الدبلوماسية على طاولات المؤتمرات، والركام في شوارع غزة، تبقى المسافة شاسعة بين اللغة السياسية والحياة اليومية للناس. فبالنسبة إلى الأسرة التي تنتظر وصول الماء، أو المريض الذي يحتاج إلى كهرباء لتشغيل جهاز طبي، أو النازح الذي يبحث عن مكان آمن، لا تكفي البيانات الدولية وحدها؛ المطلوب هو أن تتحول القرارات إلى حماية فعلية للمدنيين، ومساعدات مستدامة، وإعادة إعمار تضع الإنسان في مقدمة الأولويات.

غزة ليست خبراً عابراً ينتهي بانتهاء النشرة. إنها قصة مدينة تحاول أن تتنفس بعد سنوات من الحرب، وقصة شعب يبحث عن طريق إلى حياة أكثر أمناً واستقراراً.

وفي النهاية، قد يكون السؤال الأهم ليس: كم يوماً استمرت الحرب؟ ولا كم مبنى تهدم؟

بل: متى يستطيع الإنسان في غزة أن يستيقظ صباحاً، فلا يكون أول ما يفكر فيه هو كيف سينجو حتى المساء؟

المصدر / فلسطين أون لاين