عند بوابة نقطة فهمي الجرجاوي التعليمية في حي الدرج شرق مدينة غزة، تبدأ رحلة الطالبات إلى يومهن الدراسي بعبور مشهد لا يشبه المدرسة التي يعرفنها. مياه الصرف الصحي تتجمع عند المدخل، وأكوام من القمامة تنتشر إلى جواره، فيما تحيط آثار الدمار بالمكان الذي يفترض أن يكون آمناً للتعلم.
ومع ذلك، تصل الطالبات تباعاً، بعضهن يحملن حقائب مدرسية ملونة، وأخريات يمسكن بأيدي زميلاتهن، فيما تتعالى ضحكاتهن في ساحة صغيرة لم يعد فيها متسع للكثير. في هذا المكان، الذي تضررت مباني مدرستهن بفعل الحرب وبات بعضها مهدداً بالسقوط، تحاول مئات الطالبات استعادة يوم دراسي طبيعي، وإن لم يبقَ من المدرسة سوى أجزاء من مبناها ومساحات تحيط بها الخيام والشوادر.
في الساحة، تصطف الطالبات في طابور الصباح. بعضهن يقفن تحت الشوادر، بينما تواجه أخريات حرارة الشمس في الجزء المكشوف من الساحة. وبعدها تبدأ عملية توزيعهن على الخيام التعليمية المخصصة للصفين الثالث والرابع.
يقف أحد الإداريين على كرسي، وينادي أسماء الطالبات في محاولة لإيصال صوته إلى التجمعات المنتشرة في الساحة. وما إن تسمع إحداهن اسمها حتى تنطلق مسرعة نحو الخيمة المخصصة لصفها، بحثاً عن مكان بين زميلاتها.
داخل الخيام، تحولت منصات خشبية كانت تستخدم لنقل البضائع، والمعروفة محلياً باسم "المشاطيح"، إلى مقاعد دراسية. وبينما تتوزع الطالبات عليها، تقول إحداهن لوالدتها بفرح: "ماما، أنا في بنك"، أي في مقعد، قبل أن تسرع لتحجز مكاناً في الصف الأول.
قد يبدو المقعد الخشبي تفصيلاً بسيطاً، لكنه بالنسبة إلى الطالبات يمثل عودة إلى شكل من أشكال الحياة المدرسية بعد سنوات من الحرب والنزوح. فالبديل الذي عرفته بعضهن في فترات سابقة كان الجلوس على الفرشات أو الشوادر أو الأرض.
بين الطالبات، كانت بسنت حسونة، ذات التسعة أعوام، تحاول التأقلم مع يومها الأول. نزحت من حي التفاح إلى حي الدرج، ولم تتمكن من الالتحاق بأي خيمة تعليمية طوال عامين بسبب الحرب والنزوح المتكرر.
كانت وجنتاها محمرتين من شدة الحرارة داخل الخيمة، وتمسك مروحة صغيرة بنفسجية اللون على هيئة كاميرا. تتحدث بسنت بحماس عن عودتها إلى الدراسة، قبل أن تكشف عن أمنية تتجاوز حدود الصف والخيمة.
تقول: "أبسط أمنياتي أن أعود إلى بيتي الذي أصبح خلف الخط الأصفر، وأن تعود إليّ مدرستي".
وتضيف: "بتمنى الحرب تخلص ونبني مدرستنا من جديد".
أما لجين السرساوي، ذات الثمانية أعوام، فجاءت إلى المدرسة وهي تحمل رغبة في تعويض ما فاتها من تعليم. نزحت من حي الشجاعية، وتواجه صعوبة في القراءة وتهجئة الكلمات، لكنها تقول إنها تريد مواصلة التعلم والتغلب على ما خلفته سنوات الانقطاع.
ولا تنظر لجين إلى المدرسة بوصفها مكاناً للدراسة فقط. تريد أن تكون بوابتها نظيفة من مياه الصرف الصحي، وأن تتخلص من الروائح والحشرات التي ترافق وصولها إلى المكان. كما تشتاق إلى الأنشطة واللعب، باعتبارهما مساحة للتنفيس واستعادة شيء من طفولتها.
تقول: "ما بدي كل الأيام دراسة، بدي يوم لعب، أنبسط وأنط وأجري".
وتواجه العملية التعليمية في الخيام تحديات تتجاوز نقص المقاعد. فالبيئة التعليمية مؤقتة، والخدمات الأساسية محدودة، فيما تشكل الحرارة داخل الخيام، وغياب الكهرباء والإنترنت والتكنولوجيا، فضلاً عن الأعداد الكبيرة والفاقد التعليمي، تحديات أمام المعلمين والطالبات.
ويحاول القائمون على التعليم معالجة جانب من هذا الفاقد من خلال برامج التعليم المسرّع، التي تركز على المهارات الأساسية، ولا سيما القراءة والكتابة والحساب، إلى جانب برامج للتفريغ النفسي والتعليم باللعب، بهدف مساعدة الطلبة على استعادة قدرتهم على التعلم بعد سنوات الحرب.
وترى رانيا عكيلة، معلمة اللغة العربية في مدرسة فهمي الجرجاوي، والتي تعمل في مهنة التدريس منذ 24 عاماً، أن العام الدراسي الجديد لا يشبه الأعوام السابقة.
تقول عكيلة لـ"فلسطين" : "العام الدراسي في غزة وفي فلسطين بالتحديد ليس كباقي الأعوام ولا كباقي البلدان"، مشيرة إلى أن أبرز ما تواجهه المدارس يتمثل في الخيام والظروف المناخية والأعداد الكبيرة.
وتوضح: "الأوضاع جداً صعبة. يعني بصعوبة تم توفير مقاعد، بصعوبة تم توفير شوادر لحماية الطلاب من الشمس"، مؤكدة أن المعلمين يحاولون قدر الإمكان التعايش مع هذه الظروف وتجاوزها.
وعن فرص تحسن الوضع التعليمي هذا العام، تقول: "هو أنا بعتقد الوضع حيكون أفضل... مش بكثير، بقليل... لأنه تم توفير يعني أبسط حقوق الطلاب".
في نقطة فهمي الجرجاوي، لا تبدو العودة إلى المدرسة عودة كاملة إلى ما قبل الحرب. لكنها، بالنسبة إلى طالبات وصلن إلى المكان عبر طرق تحاصرها مياه الصرف الصحي والركام، وجلَسن على مقاعد صنعت من بقايا الأخشاب، تمثل بداية لاستعادة حقهن في التعلم.
وفي الساحة الصغيرة، تنتهي مراسم اليوم الأول، لكن صورة الطالبات وهن يركضن نحو خيامهن تظل شاهدة على مفارقة المشهد: مدرسة دمرتها الحرب، وطفولة تصر على أن تبدأ عامها الدراسي من جديد.

