قبل حرب الإبادة التي اندلعت يوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، كان حلم الطالب الجامعي إبراهيم الهندي، ينصب على دراسة الهندسة، لكن جرائم الاحتلال الإسرائيلي التي رافقت الحرب الدموية، غيرت مجرى حياته؛ وما بين استغاثة ضحايا القصف ورؤية الناس تحت الأنقاض، انتقل الهندي للعمل متطوعًا في جهاز الدفاع المدني.
يقول الهندي البالغ (21 عامًا): "قبل الحرب كنت مهتمًا بمجال الإنقاذ، إذ تلقيت عدة دورات تدريبية في هذا المجال، لكن لم أتجه إلى العمل الميداني إلا بعد اندلاعها".
يضيف لصحيفة "فلسطين": "وجدت نفسي تلقائيًا أهب لمساعدة أبناء شعبي، مناظر الأشلاء والضحايا الذين هدمت البيوت فوق رؤوسهم دفعتني إلى الاستفادة مما تعلمته في إنقاذ الناس".
ولم يكن الأمر سهلاً بالنسبة له، فمشاهد حرب الإبادة كانت وما تزال تفوق قدرة العقل البشري على استيعابها.
كان من أوائل الأماكن التي مارس فيها الهندي عمله، بيت لعائلة أبو ريان دمره جيش الاحتلال فوق رؤوس ساكنيه في بلدة بيت لاهيا، شمالي قطاع غزة، في المنطقة التي كان يسكن فيها الهندي قبل النزوح.
يقول عن تلك اللحظات الصعبة: "كانت هناك سيدة على قيد الحياة أسفل ركام طابقين من المنزل، بقيت أعمل يدويا 11 ساعة حتى تمكنت من إنقاذها بالرغم من خطورة الأوضاع في المنطقة التي كانت خالية من السكان، ولم يهب أحد لمساعدتنا، ما جعل المجهود المبذول غير اعتيادي".
ولم تكن الظروف برمتها في غزة سهلة أبدًا، وخاصة بالنسبة لجهاز الدفاع المدني الذي عانى نقص المعدات والوقود وتعطل الآليات، إضافة لعدم احترام الاحتلال للمواثيق الدولية واستهداف المنقذين. كل ذلك كان يجعل من عمل رجال الدفاع المدني مخاطرة من الدرجة الأولى.
يتابع الهندي حديثه: "رفضت النزوح من شمالي قطاع غزة إلى جنوبه لكنني نزحت مرارًا وتكرارًا داخل مدينة غزة، كنا نحن رجال الدفاع المدني لا نترك المكان إلا بعد أن يصبح البقاء فيه مستحيلاً".
ويضيف الهندي: "كنا نخشى على مركباتنا من القصف أكثر من خشيتنا على حياتنا، لذلك نضطر للنزوح عندما تتعقد الأمور، ففقدان المركبة يعني عدم قدرتنا على إنقاذ الناس، وهي الأمل الوحيد لهم. نزحت من بيت لاهيا إلى جباليا، ثم لمخيم الشاطئ، ثم لمنطقة الميناء ومناطق أخرى".
ويتابع: "بالرغم من الخطر كنا نرى في أنفسنا الأمل الوحيد للضحايا، فلولا تعريض أنفسنا للخطر لفقد كثير من الناس حياتهم، وكان من المستحيل بالنسبة لي ترك الشمال والنزوح إلى الجنوب، حتى أنني لم أجد الوقت لمساعدة أهلي عندما اضطروا إلى النزوح جنوبًا".
وواصل حديثه: "أما المجاعة فقد أنهكت قِوانا، وكنا نعمل على نقل الجرحى من طريق مرور شاحنات المساعدات القادمة من حاجز (زيكيم)، شمال قطاع غزة، ونحن جائعون وبأشد الحاجة إلى الذهاب لجلب الطعام، حتى استشهد عدد من شبابنا وهم يحاولون الحصول على لقمة العيش، كان الاستهداف كثيفًا جدًا، ونحن منهكون من شدة الجوع، لكننا كنا نكابر كي نستمر في تقديم خدمات الإغاثة".
علاوة على ذلك، أرهق الفقد قلب رجل الدفاع المدني الهندي، عن ذلك يقول:" كنت أذهب لصديقي المقرب أيمن الحلاق يهون عليَّ وجع ما أعانيه خلال عملي، وفي أحد الأيام جلست برفقته عدة ساعات بعد صلاة المغرب وفي صباح اليوم الثاني دفنته بيدي بعدما استشهد بنيران الاحتلال".
ولم تكن تلك الحادثة وحدها التي آلمته، بل إن من أكثر الحوادث إيلامًا كان عندما تلقى الهندي نداء استغاثة من حي الشيخ رضوان، شمالي غرب مدينة غزة. وعندما وصل إلى المكان المستهدف للمكان وجد أن عمه قد استشهد. يقول: "كان موقفا غاية في الصعوبة، صدمة كبيرة أن تأتي لإنقاذ الضحايا فتجد أن عمك أحدهم، وقد فارق الحياة دون أن نستطيع مساعدته".
ولم تكن حادثة استشهاد عمه الصدمة الوحيدة، إذ إنه في نداء استغاثة آخر هرع الهندي إلى تلبية نداء استغاثة في منطقة "التوام"، شمالي القطاع، وقد تفاجأ بأن أحد أصدقائه المقربين ارتقى شهيدًا، وقد كان عريسًا لم يمضِ على زواجه سوى أسبوع واحد.
تلك الأحداث الصعبة جعلت الهندي مصممًا على المضي في عمله مهما كانت الطريق صعبة، ويكمل حديثه: "ذهبت في عدة مهمات إنقاذ بالتنسيق مع مؤسسات دولية بالرغم من علمي السابق أنني قد أُستشهَد أو أُعتقَل على يد جنود الاحتلال كما حدث مع زملاء استشهد عدد منهم واعتقل آخرون بالرغم من وجود تنسيق سابق، لكن ذلك لم يثنني عن تلبية النداء الإنساني على الرغم من فقداننا لعدد كبير من الزملاء الذين فقدوا أرواحهم في أثناء أداء مهامهم".






