لأول مرة منذ بدء الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، توافد مئات آلاف الطلبة والطالبات صباحا نحو المراكز والمدارس التعليمية المؤقتة المنتشرة في أماكن نزوحهم (غربا) وذلك بعد انقطاع دام نحو ثلاث سنوات.
على الرغم من التحديات والأزمات التي تواجه المسيرة التعليمة بدءا من تضرر وتدمير نحو 97% من المباني التعليمية، واستشهاد نحو 21 ألف طالب و750 من الكوادر التعليمية، ونقص حاد في المستلزمات التعليمية، فإن هناك إرادة وعزيمة فلسطينية على استئناف العملية التعليمية.
داخل إحدى المدارس التعليمية الناجية من الإبادة الإسرائيلية، أعلنت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) افتتاح العام الدراسي الجديد (2026-2027) على الرغم من سلسلة أزمات يواجها "الشاهد الدولي" على النكبة الفلسطينية.
واصطف مئات الطلبة في "الطابور الصباحي" وسط فناء المدرسة الواقعة في مخيم النصيرات للاجئين وسط القطاع، وخلفهم أولياء أمورهم الذين بدا عليهم الارتياح والبهجة.

رفع الطلبة لافتات كتب على بعضها: "هنا نلتقى، هنا نتعلم لنبني"، "بعد طول غياب .. أخيرا مدرستي"، "من حقنا أن نتعلم"، في حين كانت تعلو ساحة المدرسة "صفارة" التمارين الرياضية الصباحية.
بإيعاز من مديرة المدرسة توجه الطلبة برفقة مدرسيهم ومدرساتهم نحو فصولهم الدراسية التي تخلو من المقاعد الخشبية والمستلزمات التعليمية، فيما كانت بعض الفصول الدراسية الأخرى تضم مقاعد خشبية مصنوعة من "صناديق المساعدات" الخشبية التي تدخل غزة عبر جهات أممية ودولية.
تفاؤل وأمل
في تلك الأثناء، كانت الأم سماح عيسى (35 عاما) تصطحب طفليها، لأول مرة، إلى المدرسة التعليمية، وفي محاولة منها لترغيبهم حاولت رسم الابتسامة على وجوهم والتقاط صور تذكارية لهم بحقائبهم الدراسية.
(أنس) سينضم إلى الصف الرابع و(زين) سينضم إلى الصف الثاني، وبينما تعبر والدتهم عن سعادتها لاستئناف العملية التعليمية تأمل بانتظامها وتعويض الفاقد التعليمي لطفليها بعدما عاشوا "أهوال" الإبادة الإسرائيلية.
"نأمل بعودة قوية للتعليم .. أملنا بالحفاظ على أبنائنا من الجهل، أملنا ببناء جيل جديد يستحق الحياة والكرامة"، هكذا تعبر "سماح" التي تقول إن طفليها سينضمان لمدرسة وصف تعليمي لأول مرة.

ذات السعادة والبهجة، ارتسمت على الوالد أحمد شلبي (42 عاما) الذي اصطحب طفله سعيد للالتحاق بالصف الثاني، بعدما فقد حقه في التعليم بـ"رياض الأطفال" والصف الأول الابتدائي.
يستعيد الأب ذاكرته بذات المدرسة التي تلقى فيها تعليمه الدراسي، وقال: "بالأمس كنت طالبا، واليوم أطفالي .. آملنا بانتهاء الإبادة وعودة العملية التعليمية بقوة وذات جوة عالية".
مساحة للأمل وبناء الأحلام
"يجب أن يواصل العالم دعمه لضمان عدم حرمان أي طفل من التعليم"، هكذا وجه رئيس برنامج التعليم في وكالة "أونروا" بغزة توفيق الحوراني رسالته خلال حفل افتتاح العام الدراسي الجديد.
وقال إن استئناف العملية التعليمية بعد ثلاثة أعوام من الظروف الاستثنائية يمثل خطوة "قوية" وخطوة نحو استعادة حق الأطفال في التعلم وتحقيق الأحلام.
وخاطب الحوراني الطلبة: "أبنائي الطلبة، إن عودتكم للتعليم رسالة قوية منكم إلى الجميع، تمسكوا بحقكم في التعليم، اجعلوا هذا العام الدراسي مساحة للأمل والإبداع وبناء الأحلام .. أنتم صناع المستقبل، وحملة التغير في مجتمعاتكم".
وختم كلمته: "إن أفضل استثمار في تعليم الأطفال .. استثمار في السلام والاستقرار والكرامة الإنسانية".

وعلى خلاف عقود ماضية، تستقبل "الأونروا" الطلبة في 86 مساحة تعلم مؤقتة موزعة على أنحاء قطاع غزة، حيث تنفذ الفرق التعليمية أنشطة للتهيئة والدعم النفسي والإرشاد، في محاولة لتوفير بيئة تعليمية ملائمة للأطفال في ظل الظروف القائمة.
وتعتمد الوكالة أساليب تعليم تجمع بين التعلم الوجاهي والتعليم عن بُعد، على أن تشكل منصة "Moodle" محورًا رئيسًا للتعلم الإلكتروني، إلى جانب مواد تعليمية وأدلة ومقاطع إرشادية للطلبة.
وفي رسالة للمجتمع الدولي، أرسلت الطالبة جيهان أبو شاويش كلمة باسم أطفال غزة، " ها نحن نعود من جديد إلى مدرستنا، نعود إلى صديقاتنا، دفاترنا، كتبنا، هي عودة إلى الحلم والأمل والطموح".
"عودة نبدأ بها من جديد، نرسم مستقبلا يليق بأحلامنا، تاركين خلفنا كل ما مضى، نبدأ عامنا بروحا جديدة وعزيمة أقوى، وإصرار لا يعرف المستحيل، لنقولها: عدنا إلى مدرستنا، عدنا إلى الأمل لنصع المستقبل".

