فلسطين أون لاين

من فقد الزوج إلى النزوح.. أم محمد تكافح من أجل تسع بنات

...
من فقد الزوج إلى النزوح.. أم محمد تكافح من أجل تسع بنات
غزة/ هدى الدلو:

منذ ارتقاء زوجها وتدمير منزلها شرق البريج في عدوان الاحتلال على غزة عام 2019، تحمل أم محمد عرمانة، (37 عامًا)، وحدها مسؤولية تسع بنات تتراوح أعمارهن بين 9 و19 عامًا. لتعمل أمام فرن الطين، وبإعداد المفتول والمعجنات لتوفير الطعام، قبل أن يجبرها النزوح على ترك مكان عملها، لتجد نفسها اليوم في مركز إيواء جديد، عاجزة أحيانًا عن تأمين الطعام.

لم يكن فقدان الزوج وحده ما غيّر حياة أم محمد، فمع غيابه خسرت الأسرة أيضًا منزلها في حرب الإبادة، وبدأت الأم رحلة طويلة من تحمل المسؤولية منفردة. تسع بنات أصبحن يعتمدن عليها في الطعام والتعليم والملابس وسائر احتياجات الحياة، بينما تتقلص أمامها الخيارات يومًا بعد آخر.

وتقول أم محمد لصحيفة "فلسطين": "منذ أن فقدت زوجي وأنا أحاول أن أكون الأب والأم لبناتي، فالمسؤولية كبيرة، لكنني لا أملك رفاهية التوقف؛ هناك تسع بنات ينتظرن مني أن أوفر لهن احتياجاتهن".

وأصبح التعليم نفسه تحديًا آخر يضاف إلى قائمة احتياجات الأسرة. ففي العام الماضي، لم تتمكن ابنتها الكبرى من استكمال تعليمها في الثانوية العامة لعدم توفر جهاز هاتف يمكنها من متابعة دراستها إلكترونيا.

ومع بدء العام الدراسي الحالي، حاولت أم محمد منع تكرار التجربة، فسجلت ابنتيها الاثنتين في المرحلة نفسها، لكنها لم تتمكن من شراء الزي المدرسي أو القرطاسية التي تحتاجان إليها حتى الآن.

وتضيف: "أصعب شيء أن تسجلي بناتك في المدرسة ثم تقفين عاجزة أمام الزي والقرطاسية، أنا أريد لهن أن يتعلمن، لكن الظروف تجعل حتى أبسط متطلبات الدراسة صعبة".

ولكي توفر الطعام لأسرتها، لم تنتظر الأم مصدر دخل ثابتًا، بل لجأت إلى العمل بما تستطيع، فتقف لساعات طويلة أمام فرن الطين لإعداد الخبز، وتصنع المفتول والمعجنات للزبائن، وتعود بما تجنيه لتدبر طعام بناتها واحتياجاتهن.

وتوضح أنها تعمل لساعات طويلة أمام فرن الطين، واعداد الخبز والمفتول والمعجنات. " لم يكن العمل سهلًا، لكنني كنت أفكر في بناتي فقط؛ ما أحصل عليه أضعه في الطعام واحتياجات البيت".

لكن النزوح خلال الحرب بدّل كل شيء مرة أخرى، فقد اضطرت أم محمد إلى مغادرة المخيم والفرن الذي كان مصدر رزقها، والانتقال إلى مركز إيواء آخر بعدما انقطعت التكية عن المخيم الأول. ومع تركها المكان، فقدت أيضًا وسيلة كانت تساعدها على تأمين جزء من احتياجات أسرتها.

في مكان النزوح الجديد، لا تزال الأم تحاول تدبير حياتها وسط احتياجات لا تتوقف، الطعام أولوية يومية، والتعليم يحتاج إلى مستلزمات، والبنات يحتجن إلى ملابس ومواصلات، بينما لا يوجد دخل ثابت يمكنها الاعتماد عليه.

وتقول: "أحيانًا أقف أمام بناتي ولا أعرف ماذا سأفعل، تكون هناك حاجة للطعام أو شيء ضروري لهن، ولا أملك ثمنه. هذا أكثر ما يوجعني، أن تكون حاجتهن بسيطة ولا أستطيع تلبيتها".

فعلى امتداد سنوات، انتقلت أم محمد من فقد الزوج إلى هدم المنزل، ومن العمل الشاق إلى النزوح، حاملة معها مسؤولية تسع بنات. ومع كل محطة، كانت تحاول أن تمنحهن الحد الأدنى من الاستقرار، حتى حين لم يكن الاستقرار متاحًا لها.

اليوم، لا تملك الأم سوى قدرتها على العمل حين تتاح لها الفرصة، وإصرارها على إبقاء بناتها في مقاعد الدراسة، رغم العجز عن توفير بعض مستلزماتهن. وبين مركز إيواء وآخر، تحاول أن تحمي بناتها من قسوة الظروف، وأن تؤدي في الوقت نفسه الدورين اللذين فرضهما غياب الأب.

وتتابع أم محمد حديثها: "تحملت مسؤولية الأب والأم معًا، وكل ما أريده أن تكمل بناتي تعليمهن وأن أستطيع توفير الطعام والاحتياجات الأساسية لهن. لا أريد أكثر من أن أراهن بخير".

وفي حياة أم محمد، لم تعد المعاناة حدثًا عابرًا، بل تحولت إلى مسؤولية يومية تمتد من رغيف الخبز إلى مقعد المدرسة، ومن تأمين الطعام إلى البحث عن أجرة مواصلات أو ثمن دواء.

وبين هذه التفاصيل الصغيرة التي تثقل كاهلها، تواصل أم محمد الوقوف إلى جانب بناتها التسع، محاولة أن تعوضهن عن أب غاب قبل أن تكتمل حكاياتهن معه، وعن بيت لم يعد قائمًا، وعن حياة مستقرة لم تعد تعرف طريقها إليهن.

المصدر / فلسطين أون لاين