لم تكن آية أبو عودة، البالغة من العمر 28 عامًا، تتخيل أن الحرب ستأخذ منها زوجها ثم تتركها وحيدة في مواجهة إصابات طفليها، وأن تتحول أيامها من انتظار عودة زوجها إلى انتظار خبر يفتح باب العلاج أمام صغيريها، فمنذ أن بدأت الحرب، ذاقت آية ألوانًا متتالية من الفقد والنزوح والخوف، حتى باتت حياتها معلقة بين سريرَي طفلين، وذاكرة زوج غاب فجأة، وأمل بالسفر لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
ففي 17 ديسمبر/كانون الأول 2024، كانت آية تواجه واحدًا من أقسى أيام حياتها، فقد زوجها بعدما استهدفته طائرات الاحتلال الإسرائيلي أثناء حفره قبرًا لعمته التي توفيت، لم يكن لديها الوقت الكافي لاستيعاب الصدمة أو فهم حجم الفراغ الذي تركه خلفه، فقد وجدت نفسها أمام طفلين صغيرين، كانا متعلقين بوالدهما وينتظران عودته كل يوم.
تقول آية لصحيفة "فلسطين": "غياب زوجي لم يكن فقدًا لشريك حياتي فقط، بل كان فقدًا للسند الذي كنت أتكئ عليه في مواجهة أيام الحرب القاسية، قبل أن تجبر على النزوح من محافظة شمال القطاع باتجاه مدينة غزة، حيث وجدت نفسها وطفليها في خيمة لا تحميهم من حر الصيف ولا برد الشتاء ولا أصوات القصف.
ولكن مأساة الأسرة لم تتوقف عند فقد الزوج، ففي 31 أغسطس/آب 2025، تعرض محيط الخيمة التي كانت تؤوي آية وطفليها لقصف، فاخترقت الشظايا جسدي طفليها، كان إسماعيل، البالغ من العمر 9 أعوام، الأكثر تضررًا؛ إذ فقد عينه اليمنى، كما فقد السمع في أذنه من الجهة نفسها.

بعد خروجه من العملية، بدأ إسماعيل يطرح على والدته أسئلة كثيرة عن عينه، وكانت تحاول في كل مرة أن تخفف عنه وتخبره بأنها مجروحة وستتحسن، لكن الطفل الذي كان يستمع إلى حديث الأطباء أدرك الحقيقة قبل أن تخبره بها والدته.
تضيف آية: "كان يسألني عن عينه، وكنت أقول له إنها مجروحة، لكنه فاجأني بأنه يعرف الحقيقة، لأنه سمع الأطباء وهم يتحدثون عن تفريغها، صمتُّ في البداية، ثم قلت له: عينك راحت عند بابا، سبقته للجنة".
ومنذ إصابته، لم تنتهِ رحلة إسماعيل مع المستشفيات والعمليات، فحتى قبل أيام قليلة، كان يخضع لإجراءات طبية في أذنه المصابة لسحب تجمعات دموية تتكون فيها، بعدما فقد السمع بها، فيما يواجه خطرًا يهدد سمعه في الأذن الأخرى أيضًا.
وتوضح والدته أن الإصابة لم تترك أثرًا في جسده فقط، بل انعكست على حالته النفسية وحياته اليومية، فلم يعد إسماعيل يشارك الأطفال ألعابهم كما كان يفعل، وتراجع مستواه الدراسي، وأصبح أكثر انغلاقًا على نفسه، فيما يتكرر سؤال واحد على مسامع والدته: "متى بدي أسافر وأركب عين وأرجع أسمع في أذني؟"
سؤال صغير من طفل في التاسعة، لكنه يحمل بالنسبة إلى آية حجمًا هائلًا من العجز والانتظار.
فقدان النطق
أما شقيقه إلياس، البالغ من العمر 6 أعوام، فقد أصيب بشظايا في الرأس تسببت له بشلل نصفي ومشكلات في الإدراك وفقدان القدرة على النطق، ولم يتمكن الأطباء من تحديد وضعه الصحي بصورة دقيقة، إذ يحتاج إلى تصوير بالرنين المغناطيسي، وهو فحص غير متوفر في قطاع غزة وسط نقص المعدات والإمكانات الطبية.
وبعد شهور طويلة من التنقل بين المستشفيات، بدأت تظهر مؤشرات بسيطة على تحسن حالته الجسدية، إذ استعاد شيئًا من الحركة في قدميه، لكن النطق لم يعد إليه، ولا يزال الطفل عاجزًا عن التعبير عما يريده بالكلمات.
تكمل آية: "إلياس لا يستطيع أن يخبرني ماذا يريد، وكل ما يفعله أنه يبكي، وضعه الصحي صعب جدًا، وأحيانًا أشعر أنني عاجزة عن فهم ما يؤلمه أو ما يحتاج إليه".
مكثت آية شهورًا طويلة متنقلة بين المستشفيات، تلاحق علاج طفليها وتتنقل بين المواعيد والعمليات، بينما تحاول في الوقت نفسه أن توفر لهما الأمان في ظل غياب زوجها والمعيل والسند.
فلا تطلب آية الكثير، وكل ما تريده فرصة علاج حقيقية لطفليها خارج القطاع، قبل أن تتحول الإصابات إلى إعاقات أكثر قسوة، وقبل أن يفقد إسماعيل ما تبقى من سمعه، وقبل أن تضيع فرصة إلياس في استعادة قدرته على الحركة والكلام.
وتضيف: "كلا طفليّ بحاجة إلى فرصة للعلاج في الخارج، وهذا أكبر همي، فلا يوجد لدينا معيل ولا سند، وكل ما أتمناه أن يُمنحا فرصة للعلاج والعودة إلى حياتهما".
وفي خيمتها، تنتظر آية بداية أخرى لطفليها؛ يستطيع فيها إسماعيل أن ينظر إلى نفسه دون أن يشعر بأنه مختلف، ويستطيع إلياس أن يعبر عما في داخله بالكلمات بدل البكاء، وتستطيع هي، ولو لمرة واحدة، أن تشعر أن أطفالها خرجوا من دائرة الخطر.

