فلسطين أون لاين

القسامي عبد الله ملكة.. نضالٌ حتى الشهادة ووداعٌ مؤجل

...
القسامي عبد الله ملكة.. نضالٌ حتى الشهادة ووداعٌ مؤجل
غزة/ محمد حجازي:

في زاوية ضيقة من غرفة إيواء بأحد المراكز المتواضعة في حي الزيتون شرقي مدينة غزة، تتكثف حكاية نزوح أثقلت كاهل المواطنين، وتتشكل بين جدرانها ملامح صبرٍ يومي لعائلة تحاول التمسك بما تبقى من تفاصيل الحياة، بالرغم من قسوة المكان وظروف النزوح.

هناك، حيث يتجاور الوجع الإنساني مع صلابة الصمود الوطني، التقى مراسل صحيفة "فلسطين" بعائلة الشهيد القسامي عبد الله تيسير ملكة (28 عامًا)، الذي ارتقى مقبلا غير مدبر في الثامن من يناير/كانون الثاني 2024 خلال حرب الإبادة على قطاع غزة، في حين لا تزال عائلته تأمل أن تتمكن من مواراته في الثرى وتوديعه بعد انتظار طال أمده.

تتجلى حكاية الصمود من خلال الكلمات التي يرويها والد الشهيد، الحاج تيسير ملكة (58 عاما)، إذ يقول لصحيفة "فلسطين" مستذكرا تفاصيل أيام النزوح الأولى: "حين عصفت رياح الحرب الضروس بالقطاع وأجبرت الكثير من العائلات على النزوح نحو الجنوب قسرا، اتخذت العائلة قرارا تاريخيا وقاطعا لا رجعة فيه يقضي بالموت الشريف على الأرض وعدم الرحيل مهما كانت التضحيات، فقد تعاهد الجميع على ألا تترك الأرض".

ويضيف الأب مستحضرا مكانة ابنه الراحل: "عبد الله لم يكن مجرد ولد عابر في حياتي، بل كان العضد الذي أتكئ عليه في شدائد الدهر، والرفيق الذي أعتمد عليه في مواجهة قسوة الظروف".

ويتابع: "عبدالله استشهد كما كان يتمنى، وأنا فخور جدا به وأرفع رأسي عاليا، كيف لا وأنا والد شهيد".

ويستطرد الأب بقلب يغلي شوقا: "أكثر ما يوجع القلب ويزيد لوعة الفراق هو هذا الغياب القسري لجثمانه الطاهر على حدود الوطن، لكنَّ عزاءنا الوحيد أنه أدى ما عليه لله والوطن، ونحن بانتظار اليوم الذي نواريه في الثرى بما يليق ببطولته لنرفع اسمه في سجل الأحرار الخالدين".

مخلص لدينه ووطنه

وعلى الأثر ذاته، تتابع والدته، الحاجة منال ملكة (54 عاما)، حديثها وهي تجلس وسط زحمة المكان وضيقه، مستحضرة طيف ابنها البكر بقلب يفيض حزنا ورضا مطلقا، إذ تقول لصحيفة "فلسطين": "عبد الله كان الابن المطيع، الزاهد، والمخلص لدينه ووطنه وقضيته".

وتستعيد أم عبد الله فصولا من حياة ابنها الإنسانية والمليئة بالابتلاءات العميقة، فقد تزوج ورزق بطفلتين، لكن القدر شاء أن يتوفاهما الله تباعا بعد أشهر قليلة من ولادتهما إثر مرض وراثي ألم بهما، فكان عبد الله صابرا محتسبا، يواجه لوعة الفراق بقوة الإيمان واليقين.

وتضيف الأم بافتخار وهي تسطر موقفا إنسانيا نبيلا لابنها، إنه حين تلقى مبلغا ماليا قدره 1500 شيكل، لم يحتفظ به لنفسه أو لعيال بيته مع شح ذات اليد، بل اشترى وجبات طعام جاهزة وتوجه بها بنفسه نحو الثغور والمحاور المتقدمة، مطعما المقاومين عن روح ابنتيه المرحومتين.

وتتابع: "حين بلغني نبأ استشهاده، صبرت وسجدت لله شكرا لأن الشهادة كانت أمنيته الغالية طوال حياته".

وتكمل الأم مشاعرها الممزوجة بالدموع والفخر قائلة: "رحيلك يا بني ترك فراغا لا يملؤه أحد، وكأن الروح قد غادرت الجسد معك، لكنني أستمد قوتي وصبري من إيماني بأنك في مكانة أرفع وأكرم عند رب العالمين، وحين أغمض عيني أتخيلك متبسما وأنت تلوح لنا من عتبات الجنة، فهنيئا لك شهادتك وهنيئا لنا لقبك الطاهر".

التحاقه بصفوف القسام

التحق الشهيد عبد الله بصفوف كتائب الشهيد عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، منذ ريعان شبابه وبدايات وعيه.

ولم تكن مسيرته الجهادية الطويلة مفروشة بالورود، فقد تعرض لإصابة خطيرة جدا عام 2014 خلال اشتباك مسلح مباشر مع قوات الاحتلال في حي الزيتون، ومكث طويلا تحت العلاج المكثف حتى تماثل للشفاء.

وتستأنف والدته الحديث عن هذه المسيرة بفخر واعتزاز، قائلة: "حين أنهى علاجه الطبي الطويل والشاق، لم يجلس في البيت مستكينا أو متأثرا بآلام الإصابة، بل عاد فورا وبكل اندفاع لصفوف المجاهدين. وحينها صدر قرار من قيادة القسام بإعفائه من المهام العسكرية الميدانية نظرا لخطورة إصابته السابقة، إلا أنه رفض القرار بشكل قاطع وحاسم، وأصر على العودة مجاهدا مخلصا لدينه ووطنه، حتى ختم حياته الطاهرة مشتبكا على نقاط الثغور المتقدمة".

حصل الشهيد على شهادة البكالوريوس في العلوم الشرطية والقانون من جامعة الأمة بغزة، إلى جانب عمله في التجارة.

يروي شقيقه أحمد (29 عاما) بحرقة بالغة كيف كان عبد الله سنده الحقيقي ورفيقه الأقرب في رحلة العلاج الطويلة عام 2014، مؤكدا أن شيئا من دفء الحياة قد غاب بعد رحيله.

أما شقيقه حسن (25 عاما) فيستحضر بصمات أخيه الحاضرة في تفاصيل يومياته، مؤكدا أن عبد الله لم يكن مجرد شقيق أكبر، بل كان الصديق الذي يلجأ إليه في كل خطوة، والكتف الذي يستند إليه وقت الشدة، مشيرا إلى أن فراقه ترك غصة مريرة وجرحا نازفا في روح العائلة لا يندمل.

وفي السياق ذاته، يستحضر شقيقه صهيب (19 عاما) كيف كان الشهيد يشجعه باستمرار في مسيرته التعليمية ويطمح أن يراه طبيبا بشريا في المستقبل، ليترجم هذا الوفاء مؤكدا أنه قد أنهى مرحلة الثانوية العامة بمعدل مرتفع بلغ 98% والتحق بكلية الطب، معاهدا روحه الطاهرة أنه بعد إنهاء دراسته وتخصصه سيقوم بفتح عيادة طبية علاجية يقدم فيها خدماته للمرضى بالمجان، لتكون صدقة جارية وهبة متجددة عن روح أخيه الحبيب.

وتختتم الشقيقة الصغرى جنى (13 عاما) مشاعر الأسرة بدموع غزيرة، مؤكدة أنه كان بمنزلة الأب الحنون، الذي لا يبخل عليها بشيء، ويتابع تفاصيل حياتها واحتياجاتها باستمرار.

يرتقي عبد الله تيسير ملكة، ويبقى جثمانه الطاهر محتجزا على حدود الوطن وسياجه المترامي لأكثر من عامين، بانتظار يوم مشهود ينعم فيه أهله وأحبابه بإلقاء نظرة الوداع الأخيرة ودفنه بما يليق بعظمة تضحياته ومسيرته النضالية.

وتبقى عائلته المرابطة في حي الزيتون شاهدة حية على أسمى آيات العزم واليقين الراسخ، راسمة بدموعها وصبرها الأسطوري خريطة طريق واضحة نحو الثبات الأبدي في وجه كل محاولات اقتلاع الهوية وكسر الإرادة الفلسطينية.

المصدر / فلسطين أون لاين