فلسطين أون لاين

ثلاث سنوات من الحرب.. مفقودو غزة عالقون بين الأسر والموت

...
ثلاث سنوات من الحرب.. مفقودو غزة عالقون بين الأسر والموت
خان يونس/ تامر قشطة:

مع مرور ثلاث سنوات على اندلاع حرب الإبادة في قطاع غزة، لا تزال عائلات فلسطينية تبحث عن أبنائها الذين فُقدوا خلال النزوح القسري والتجويع.

في خيام الإيواء ومناطق الإقامة المؤقتة، لم يعد مرور الوقت كافيًا لإنهاء الانتظار؛ إذ تتحول أشهر الانتظار الطويلة لعائلات المفقودين إلى أسئلة متكررة لا تجد إجابة: أين ذهبوا؟ هل اعتُقلوا؟ هل استشهدوا؟ وأين يمكن العثور عليهم.

منذ بداية الحرب في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، تقول عائلات فلسطينية إنها لجأت إلى المؤسسات المعنية بالأسرى والمفقودين، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، بحثًا عن أي معلومة يمكن أن تحدد مصير أبنائها المفقودين، لكن بعض هذه العائلات لا تزال تنتظر إجابة بعد أشهر وسنوات من الاختفاء.

بحثًا عن الطعام

في مدينة خان يونس، جنوبي القطاع، تعيش سمية الرقب (48 عامًا)، نزوحًا طويلًا عن منزلها الذي كان ببلدة بني سهيلا، شرقي المدينة، في حين تحمل في ذاكرتها تفاصيل اليوم الذي فقدت فيه ابنها أحمد (16 عامًا).

كان أحمد، بحسب والدته، الابن الأكبر بين أربعة أبناء، وكان يشعر بالمسؤولية تجاه إخوته، خصوصًا خلال فترة اشتداد المجاعة ونقص الغذاء.

تقول سمية لصحيفة "فلسطين": إن ابنها خرج في منطقة "موراج" بحثًا عن المساعدات بسبب النقص الحاد في الغذاء الذي واجهته العائلة.

وتضيف، قبل نحو 450 يومًا خرج أحمد ليبحث عن شيء يعود به إلى إخوته لكنه لم يعدّ، منذ ذلك الحين اختفى ولا نعرف عنه شيء.

وخلال هذه الفترة، لم تتوقف سمية عن البحث.

وتتابع: إنها راجعت مؤسسات مختلفة، وسألت الصليب الأحمر، والجهات التي تُعنى بالأسرى والمفقودين، وكانت تذهب للسؤال عن ابنها كلما وردت أخبار عن الإفراج عن أسرى فلسطينيين.

كانت تبحث عن اسم أحمد بين الأسماء، وعن أي وجه قد يكون حمل خبرًا عنه، لكن لا إجابة وصلت إليها حتى الآن.

تقول: "أتمنى أن يرجع، وأظلني عايشة في المجاعة، المهم إنه أشوف ابني قدام عيوني".

غياب منذ بداية الحرب

على بعد مسافة من خيمة سمية، تعيش فاطمة النجار، النازحة من المنطقة الشرقية لخان يونس، في خيمة قرب مجمع ناصر الطبي، وهي تحمل قصة غياب أخرى بدأت في وقت مبكر من الحرب.

فقدت فاطمة (٣٨ عامًا) شقيقها محمد وليد النجار في 25 ديسمبر/ كانون الأول 2023، عندما خرج، وفق روايتها، مع أربعة من أصدقائه لشراء مؤن واحتياجات لعائلاتهم.

تقول فاطمة لـ"فلسطين": إن شقيقها أصبح مفقودًا منذ ذلك اليوم، وإن العائلة لم تتمكن حتى الآن من معرفة ما إذا كان قد اعتُقل أو قتل.

ومع اقتراب مرور ثلاث سنوات على الحرب، تقول: إن غياب محمد لم يعد مجرد ذكرى مؤلمة، بل سؤالًا يوميًا يرافقها في كل تفاصيل حياتها. نفسي أعرف محمد وين".

بين السجن والقبر

بالنسبة إلى فاطمة، لا تبحث العائلة عن نتيجة محددة بقدر ما تبحث عن الحقيقة، فإذا كان محمد أسيرًا، تريد أن تعرف مكان احتجازه لتتمكن من توكيل محامٍ والتواصل معه والاطمئنان إلى وضعه، وإذا كان قد تُوفي، تريد أن تعرف مكان جثمانه حتى يكون له قبر تزوره وتحتفظ من خلاله بذكرة شقيقها.

لكن غياب المعلومة يبقي العائلة في منطقة رمادية ولا تستطيع فيها بدء الحداد ولا استعادة الأمل بصورة كاملة.

وتقول فاطمة: إنها تواصلت مع شؤون الأسرى، كما لجأت إلى الصليب الأحمر، وحاولت الوصول إلى محامين خارج غزة، لكن المحاولات لم تقُد، بحسب روايتها، إلى معلومة تحدد مكان محمد أو مصيره.

وتضيف، أن بعض الجهات أبلغتها بعدم وجود تنسيق مع سلطات الاحتلال يتيح معرفة أسماء المحتجزين أو الوصول إليهم.

طفلة أبصرت وسط الفقد

لم يتوقف أثر غياب محمد عند يوم اختفائه؛ كانت فاطمة حاملًا في ذلك الوقت، وتنتظر مولودتها التي كان محمد يتطلع إلى رؤيتها.

كان، وفق روايتها، قد وعدها بمساعدتها في شراء مستلزمات الطفلة وتجهيزها للولادة، لكن محمد اختفى قبل أن يفعل ذلك.

ولدت الطفلة لاحقًا، وأصبحت ذكرى غياب خالها جزءًا من حياتها منذ أيامها الأولى.

تقول فاطمة: إن ابنتها فرح تبلغ نحو ثلاثة أشهر، وإنها لم تتمكن من الاستعداد لولادتها أو الاحتفال بها كما كانت تتمنى، لأن الأسرة كانت لا تزال تنتظر أي معلومة عن محمد.

كان شقيقها قد جاء إلى العائلة بعد سنوات طويلة من الانتظار، وكان الابن الذي طال انتظاره بعد ست بنات، قبل أن يتحول غيابه إلى جرح مفتوح.

تقول فاطمة: إن محمد حاضر في تفاصيل حياتها اليومية؛ في مائدة الطعام، وفي السوق، وفي الأشياء التي كانت تتوقع أن يشاركها اختيارها.

ثلاث سنوات.. والانتظار مستمر

مع اقتراب الذكرى الثالثة للحرب، تبدو قصتا أحمد ومحمد مثالًا على نوع مختلف من الخسائر التي خلفتها حرب الإبادة؛ خسارة لا يمكن للعائلة أن تحدد نهايتها، فالمفقود لا يُشيَّع، ولا يُدفن، ولا يعود إلى البيت، وتبقى عائلته أمام احتمالين متناقضين؛ انتظار عودة قد تحدث في أي لحظة، أو انتظار خبر وفاة يسمح لها ببدء الحداد.

وتقول سمية: إنها تتمنى لو عاد ابنها إليها حتى لو عادت ظروف الجوع والنزوح.

أما فاطمة، فتريد فقط معرفة أين انتهت رحلة شقيقها التي بدأت عندما خرج لشراء احتياجات لعائلته.

ثلاث سنوات من الحرب قد تكون وقتًا طويلًا على حياة البشر، لكنها بالنسبة لعائلة المفقود تبدأ من جديد كل صباح؛ سمية ما زالت تنتظر أحمد، وفاطمة ما زالت تبحث عن محمد، وبين خيام النزوح وركام المنازل، يبقى السؤال ذاته حاضرًا: أين المفقودون؟

المصدر / فلسطين أون لاين