فلسطين أون لاين

خيام غزة تغرق مع أولى أمطار الشتاء

نازحون يواجهون البرد والموت تحت أغطية مهترئة

...
نازحون يواجهون البرد والموت تحت أغطية مهترئة "أرشيف"
غزة/ جمال غيث:

مع أولى ساعات المنخفض الجوي لم يكن استعداد النازحين في قطاع غزة، لاستقبال الأمطار يشبه استعداد بقية الناس لفصل الشتاء فلا أسقف تحميهم ولا جدران تقيهم البرد ولا نوافذ يمكن إغلاقها بإحكام بدلاً من ذلك انشغلوا بوضع سواتر ترابية حول خيامهم وتثبيت قطع النايلون والشوادر فوق ثقوبها في محاولات يائسة للحيلولة دون تسرب المياه إلى أماكن نومهم.

لكن الأمطار الغزيرة التي هطلت على القطاع، سرعان ما بددت تلك المحاولات بعدما تسربت المياه إلى عشرات الخيام وأغرقت الفرشات والأغطية والملابس وحولت أماكن إيواء النازحين إلى برك مائية لتجد آلاف العائلات نفسها أمام معاناة جديدة.

وفي ميناء غزة البحري، تتراص خيام النازحين على امتداد البصر، كانت تغريد الغندور، أرملة الشهيد فخري الغندور، تحاول إنقاذ ما تبقى من مقتنيات أسرتها بعدما غمرت مياه الأمطار خيمتها البالية ولم تترك لها ولأطفالها الثلاثة وابنها مكانًا جافًا يجلسون فيه.

وقالت الغندور، لمراسل صحيفة "فلسطين": إن المنخفض الجوي الذي بدأ تأثيره مساء الجمعة، حول الخيمة إلى بركة من المياه رغم محاولاتها المتواصلة وأطفالها إخراج الأمطار ومنع تسربها من الثقوب المنتشرة في جوانبها.

وأضافت بصوت يختلط فيه التعب بالحسرة: أنها لم تنم طوال الليل كما لم يتمكن أطفالها من النوم بعدما ابتلت الفرشات والأغطية والملابس بالكامل وأصبح الجلوس داخل الخيمة أمرًا شاقًا في ظل استمرار تسرب المياه.

وأشارت إلى أن الجرذان أحدثت قبل أيام ثقوبًا في الخيمة ما زاد من هشاشتها، موضحة أنها تعيش فيها منذ نحو ثلاثة أعوام بعدما فقدت منزلها فيما لم تعد محاولات الترقيع المتكررة تجدي نفعًا أمام الأمطار الغزيرة.

وتساءلت بحرقة: "أين العالم من معاناتنا؟، هذه الخيام مخصصة للتنزه ليوم أو يومين فكيف يمكن أن نعيش فيها ثلاثة أعوام تحت الشمس والحر والبرد والمطر؟".

وناشدت الجهات المعنية والمؤسسات الدولية التحرك العاجل لإدخال الخيام والكرفانات والمنازل المتنقلة قبل أن تتحول الأمطار والبرد إلى خطر يهدد حياة النازحين، مضيفة: "من لا يموت من الحرب سيموت من البرد والأمطار".

حامل تنتظر مولودها 

وعلى مقربة من خيمة الغندور، لم تكن إسلام المبيض، وهي أم لأسرة مكونة من سبعة أفراد أفضل حالًا إذ قضت ساعات المنخفض متنقلة بين زوايا خيمتها في محاولة للهرب من المياه المتدفقة إلى داخلها فيما انشغلت أسرتها بإزاحة الأمطار ووضع سواتر ترابية أمام الخيمة وعلى جوانبها دون أن تنجح تلك المحاولات في حمايتها.

وقالت المبيض، لمراسل صحيفة "فلسطين": إن أفراد أسرتها لم يجدوا مكانًا آمنًا أو جافًا يلجؤون إليه وإنها لم تعد تحتمل رؤية أطفالها وهم يبكون من شدة البرد والخوف، مؤكدة أن مشهد عجزها عن حمايتهم من مياه الأمطار أشد قسوة عليها من أي شيء آخر.

وأضافت والدموع تنساب من عينيها: أنها تعيش في الخيمة منذ ثلاثة أعوام، بعدما دمر منزلها في حي الشجاعية، خلال حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، واضطرت أسرتها إلى النزوح نحو منطقة ميناء غزة البحري.

وتزداد معاناة المبيض، قسوة مع اقتراب موعد ولادتها خلال أيام إذ لم تعد تقوى على رفع الفرشات التي تشبعت بالمياه وأصبحت ثقيلة أو مواصلة إزالة الأمطار المتراكمة داخل الخيمة، في وقت يعاني فيه أطفالها الثلاثة وزوجها من إصابات تعرضوا لها خلال الحرب ما يجعلهم أكثر عرضة لأمراض الشتاء.

وتابعت: إن ما تحتاجه اليوم، ليس سوى مأوى يحمي أسرتها وأغطية وفرشات جافة وخيمة صالحة للاستخدام، مطالبة بإدخال المنازل المتنقلة ووضعها قرب أنقاض منازلها المدمرة حتى يتمكن أصحابها من العودة إلى مناطق سكناهم والعيش بكرامة إلى حين إعادة الإعمار.

وتردف بحسرة: لا أريد أن أرى أطفالي يبكون من المطر والبرد ولا أريد أن أضع مولودي في خيمة تغرق بالمياه، نريد مكانًا آمنًا يحمينا ويحفظ كرامتنا".

إمكانيات معدومة 

أما عبد مريش، الذي لجأ إلى ميناء غزة البحري بعدما دمر الاحتلال منزله في حي الشجاعية، فلا تزال العودة إلى منزله متعذرة بسبب تمركز قوات الاحتلال في المنطقة.

وقال لمراسل صحيفة "فلسطين": إن أسرته حاولت قبل بدء المنخفض بأيام تثبيت الشوادر وقطع النايلون فوق الخيمة وإقامة حواجز من الرمال أمامها أملاً في منع تسرب المياه لكن تلك الإجراءات لم تصمد طويلًا أمام غزارة الأمطار.

وأوضح مريش، أن الخيمة تنتشر فيها ثقوب كثيرة حاول تغطيتها بما توفر لديه من مواد غير أن المياه وجدت طريقها إلى الداخل وأغرقت الملابس والأغطية ولم تترك له ولزوجته مكانًا جافًا.

وتتضاعف معاناته بسبب خضوعه لعملية جراحية قبل أيام إذ لا يزال يعاني من آثارها لكنه اضطر إلى مواصلة العمل على إزالة المياه ومنع وصولها إلى مقتنيات الأسرة رغم حاجته إلى الراحة والعناية الصحية.

وناشد، الدول والمؤسسات الدولية والجهات الراعية لاتفاق وقف إطلاق النار الضغط من أجل إدخال المنازل المتنقلة والكرفانات ومستلزمات الإيواء ووضعها بالقرب من المنازل المدمرة إلى حين إعادة إعمارها، مؤكدًا أن استمرار بقاء النازحين في خيام مهترئة يعرض حياتهم للخطر مع كل منخفض جوي.

وبجوار الخيام، انشغل عددًا من الأطفال لمساعدة عائلاتهم في إزاحة مياه الأمطار باستخدام المجارف والأدوات البدائية فيما حمل آخرون الدلاء لنقل المياه من داخل الخيام إلى خارجها، فيما حاولت أسر شق قنوات صغيرة لتصريف المياه بعيدًا عن أماكن نومها.

ولم تقتصر المخاطر على مياه الأمطار وحدها إذ اختلطت في مناطق عدة بمياه الصرف الصحي التي طفحت في بعض التجمعات السكنية ومخيمات النزوح ما زاد المخاوف من انتشار الأمراض والأوبئة خصوصًا بين الأطفال وكبار السن والمرضى في ظل انعدام البيئة الصحية الملائمة.

نداء استغاثة

ومن جهته، أعلن جهاز الدفاع المدني في قطاع غزة، تلقيه أكثر من 1500 نداء استغاثة من مواطنين تضررت خيامهم ومراكز إيوائهم جراء المنخفض الجوي، مشيرًا إلى غرق مخيمات بأكملها وسط معاناة النازحين خصوصًا الأطفال والنساء من تدفق مياه الأمطار إلى أماكن إقامتهم.

وحذر الدفاع المدني، في بيان له، من تفاقم الكارثة الإنسانية في ظل نقص المعدات والآليات والوقود، داعيًا المؤسسات المحلية والدولية إلى التدخل العاجل وتوفير مستلزمات سحب المياه والإغاثة لحماية أرواح المواطنين ولا سيما الأطفال والنساء وكبار السن والمرضى.

وطالب النازحون، في أحاديث منفصلة لمراسل صحيفة "فلسطين" بإدخال الكرفانات والمنازل المتنقلة وتوفير خيام مقاومة للأمطار وأغطية ووسائل تدفئة ومعالجة طفح الصرف الصحي إلى جانب تسهيل عودتهم إلى مناطق سكنهم وتسريع إعادة الإعمار، مؤكدين أن الخيام لم تعد توفر الحماية بل تحولت مع كل منخفض جوي إلى مصدر جديد للخطر والمعاناة.

المصدر / فلسطين أون لاين