فلسطين أون لاين

الشهيد هاني المصدر.. أسطورة فلسطينية صنعتها الملاعب وختمتها الشهادة

...
الشهيد هاني المصدر.. أسطورة فلسطينية صنعتها الملاعب وختمتها الشهادة
غزة / مؤمن الكحلوت:

لم يكن رحيل الكابتن هاني المصدر، مجرد فقدان لمدرب أو لاعب كرة قدم، بل كان غيابًا لواحد من أبناء الحركة الرياضية الفلسطينية الذين عاشوا للكرة، لاعبًا ومدربًا وقائدًا، وتركوا خلفهم سيرة حافلة امتدت لأكثر من عقدين.

هاني، ابن قرية المصدر وسط قطاع غزة، كان أحد الوجوه المعروفة في كرة القدم الفلسطينية، وارتبط اسمه بصورة خاصة بـنادي غزة الرياضي، الذي دافع عن ألوانه لاعبًا، قبل أن يعود إليه مدربًا، كما كانت له تجارب مع عدد من أندية القطاع، وصولًا إلى الجهاز الفني للمنتخب الفلسطيني الأولمبي.

وبين بداياته في خدمات المغازي، وتألقه مع غزة الرياضي، وتجربته مع المنتخبات الوطنية، ثم انتقاله إلى عالم التدريب، وصولًا إلى استشهاده خلال الحرب، تبدو حياة المصدر أشبه برحلة رياضية متكاملة، انتهت مبكرًا لكنها تركت أثرًا واضحًا.

من قرية المصدر إلى الملاعب

وُلد هاني عبد الحكيم المصدر في 14 أبريل/نيسان 1981 في قرية المصدر شرق محافظة دير البلح، ونشأ في بيئة فلسطينية ارتبطت بكرة القدم ارتباطًا كبيرًا.

ومنذ سنواته الأولى، ظهرت علاقته بالكرة، قبل أن يبدأ مشواره المنظم من خلال نادي خدمات المغازي، حيث لعب في فرق الفئات العمرية، ثم صعد إلى الفريق الأول وهو في سن صغيرة.

كانت تلك الخطوة الأولى في مسيرة لاعب سيصبح لاحقًا واحدًا من أبرز لاعبي خط الوسط في كرة القدم الغزية.

لم يكن المصدر مجرد لاعب يعتمد على الجانب البدني، بل عُرف بقدرته على صناعة اللعب، والاحتفاظ بالكرة، والتمرير، والتسديد، وقراءة تحركات زملائه، وهي الصفات التي جعلته مناسبًا لمركز صانع الألعاب وخط الوسط.

7a858ed4-e3f1-4e54-be51-3389d824c9e1.jpg
 

محطة الزوايدة.. ثم الانتقال إلى غزة الرياضي

بعد بدايته مع خدمات المغازي، خاض المصدر تجربة قصيرة مع نادي شباب الزوايدة، قبل أن ينتقل إلى نادي غزة الرياضي، الذي أصبح المحطة الأبرز في مسيرته الكروية.

في "العميد" وجد المصدر المكان الذي استطاع من خلاله أن يثبت نفسه لاعبًا، ويصنع اسمه بين جماهير الكرة الفلسطينية.
ولسنوات طويلة، ارتدى قميص غزة الرياضي لأكثر من عقد ونصف من الزمان، وأصبح أحد عناصر الفريق الأساسية، قبل أن يتحول مع مرور الوقت إلى أحد قادة الفريق وأكثر لاعبيه ارتباطًا بالنادي.

ولم تكن علاقته بغزة الرياضي علاقة لاعب بقميص يرتديه فقط؛ فقد كان النادي بالنسبة إليه جزءًا أساسيًا من هويته الرياضية، وهو ما ظهر لاحقًا عندما عاد إليه من بوابة التدريب.

لاعب الوسط الذي ترك بصمته

لعب هاني المصدر في مركز خط الوسط وصناعة الألعاب، وكان يمتلك شخصية فنية واضحة داخل الملعب.

اشتهر بقدرته على صناعة الفرص، والتسديد من مسافات مختلفة، وتنفيذ الكرات الثابتة، إلى جانب امتلاكه شخصية قيادية جعلته أحد الأسماء المؤثرة داخل الفريق.

وخلال مسيرته مع غزة الرياضي، كان حاضرًا في عدد من المنافسات المحلية، وحقق مع النادي إنجازات وبطولات، من بينها التتويج بكأس غزة عام 2010.

كما حظي بتقدير جماهيري وفني، واختير في أكثر من مناسبة كأحد أفضل لاعبي مركزه، ليصبح واحدًا من أبرز صناع اللعب في الكرة الغزية خلال جيله.

قميص المنتخب حاضر في مسيرته

52c5eced-7f67-4622-af88-f6a95e2e98ae.jpg
 

لم يتوقف طموح المصدر عند حدود الأندية، فموهبته قادته إلى تمثيل المنتخبات الوطنية الفلسطينية في مراحل عمرية مختلفة، وشارك في عدد من المعسكرات والاستحقاقات الخارجية.

وكان ضمن المنتخبات الفلسطينية للفئات العمرية، كما شارك في تحضيرات المنتخب الوطني الأول، وخاض تجارب خارجية في عدد من الدول العربية.

كما كانت له تجربة مع منتخب فلسطين لكرة القدم الشاطئية، في وقت كانت فيه المشاركة الفلسطينية في هذه الرياضة تخطو خطواتها الأولى.

هذه التجارب منحته احتكاكًا مهمًا، وعرّفته على مدارس كروية مختلفة، وهو ما استفاد منه لاحقًا عندما انتقل إلى عالم التدريب.

من اللاعب إلى المدرب

عام 2018، وضع هاني المصدر حدًا لمسيرته لاعبًا، لكن الاعتزال لم يكن نهاية علاقته بكرة القدم، بل كان بداية فصل جديد.

انتقل المصدر إلى التدريب، وحصل على دورات تدريبية آسيوية، وبدأ في العمل مع فرق وأندية مختلفة في قطاع غزة.

كان يعرف جيدًا ماذا يعني أن تكون لاعبًا داخل الملعب، ولذلك حاول نقل خبرته إلى اللاعبين الأصغر سنًا، خاصة في الجوانب الفنية والانضباط التكتيكي وقراءة المباريات.

وتولى تدريب عدد من الفرق، من بينها: (نادي الأقصى، خدمات النصيرات، اتحاد دير البلح، غزة الرياضي)، إلى جانب العمل في مجال تطوير اللاعبين والفئات العمرية.

إنجاز الصعود مع اتحاد دير البلح

من أبرز محطات المصدر التدريبية تجربته مع اتحاد دير البلح، حيث استطاع قيادة الفريق إلى تحقيق الصعود من الدرجة الثانية إلى الدرجة الأولى، ليؤكد أنه لم يكن مجرد لاعب سابق يخوض تجربة تدريبية، وإنما مدرب قادر على بناء فريق وتحقيق هدف رياضي واضح.

وكان هذا الإنجاز من المحطات التي عززت حضوره في الساحة التدريبية، ومهدت أمامه الطريق للعمل على مستوى أكبر.

العودة إلى "العميد".. هذه المرة مدربًا

كان من الطبيعي أن يعود هاني المصدر إلى غزة الرياضي، النادي الذي صنع معه اسمه لاعبًا، لكن هذه المرة لم يدخل غرفة الملابس لاعبًا، بل دخلها مديرًا فنيًا.

فقد تولى قيادة الفريق الأول فنيًا، وأصبح مسؤولًا عن التخطيط للمباريات، واختيار التشكيلة، وتطوير اللاعبين، وإدارة المجموعة.

وكانت هذه المحطة ذات رمزية خاصة في مسيرته؛ فالنادي الذي شهد تألقه لاعبًا أصبح المكان الذي مارس فيه مهنة التدريب.

محطة تدريبية دولية

تُعد تجربته مع المنتخب الفلسطيني الأولمبي من أهم مراحل حياته التدريبية، فقد انضم المصدر إلى الجهاز الفني للمنتخب الأولمبي، وعمل مدربًا عامًا إلى جانب المدرب إيهاب أبو جزر.

وهنا انتقلت خبرته من نطاق الأندية المحلية إلى مستوى المنتخبات الوطنية، وأصبح جزءًا من الجهاز الذي يمثل فلسطين في البطولات والاستحقاقات الخارجية.

وشارك ضمن الطواقم الفنية في عدد من المشاركات، من بينها تصفيات كأس آسيا تحت 23 عامًا، وبطولات إقليمية وعربية، إلى جانب مشاركات المنتخب الأولمبي في بطولات متعددة.

وكان وجوده في الجهاز الفني للمنتخب تتويجًا لرحلة طويلة بدأت من ملاعب خدمات المغازي، مرورًا بغزة الرياضي والأندية الأخرى، وانتهت إلى المنتخب الوطني.

الرياضي الذي بقي قريبًا من الناس

مع اندلاع الحرب على قطاع غزة، تغيرت حياة الفلسطينيين، وتوقفت المنافسات الرياضية، وتحولت الملاعب والمنشآت الرياضية إلى أماكن للنازحين أو تعرضت للتدمير.

وفي تلك الظروف، لم ينقطع هاني المصدر عن الوسط الرياضي، وبالطبع كان حاضرًا بين الرياضيين في المنطقة الوسطى، وسعى إلى مساعدة النازحين والرياضيين وتوفير ما يستطيع من احتياجات.

كان يتحرك بين المصدر والبريج والمغازي والزوايدة ودير البلح، في محاولة للبقاء قريبًا من أبناء الأسرة الرياضية الذين فرقتهم الحرب، ويقدم لهم يد العون ما استطاع إليه سبيلا.

وهنا ظهرت شخصية المصدر بعيدًا عن الملاعب؛ شخصية الرياضي الذي لم يرَ علاقته بزملائه مرتبطة بالمباريات فقط، وإنما امتدت إلى الظروف الإنسانية الصعبة.

الشهادة

في 6 يناير/كانون الثاني 2024، استشهد هاني المصدر خلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، عن عمر ناهز 42 عامًا، وجاء استشهاده إثر قصف إسرائيلي استهدف منطقة قرية المصدر وسط قطاع غزة.

في ذلك اليوم، خسرت الكرة الفلسطينية لاعبًا ومدربًا، وخسر نادي غزة الرياضي واحدًا من أبنائه الذين ارتبطوا به لسنوات طويلة، كما خسر المنتخب الأولمبي أحد أفراد جهازه الفني.

كان الرحيل في وقت لم تكن فيه مسيرته التدريبية قد وصلت إلى نهايتها، وكان لا يزال يمتلك الكثير ليقدمه للكرة الفلسطينية.

رحل هاني المصدر لاعبًا ومدربًا وشهيدًا، لكن ما تركه في الملاعب الفلسطينية أكبر من مجرد نتائج؛ ترك سيرة إنسان عاش للكرة، وعمل من أجلها، وواصل حضوره بين الرياضيين حتى في أصعب أيام غزة.

المصدر / فلسطين أون لاين