فلسطين أون لاين

اقتصاد العائلة في غزة بعد الحرب.. حين تتغير أولويات الإنفاق

لم تعد ميزانية الأسرة في قطاع غزة بعد الحرب تشبه ما كانت عليه قبلها؛ فالحرب لم تُفقد الكثير من العائلات مصادر دخلها ومدخراتها وممتلكاتها فحسب، بل أعادت ترتيب أولويات الإنفاق بصورة جذرية. وأصبحت الأسرة أمام معادلة اقتصادية صعبة: دخل محدود أو متوقف، مقابل احتياجات أساسية متزايدة وأسعار مرتفعة وعدم يقين بشأن المستقبل.

قبل الحرب، كانت ميزانية الأسرة تتوزع بصورة أكثر استقراراً بين الغذاء والسكن والتعليم والصحة والمواصلات والملابس والترفيه والادخار. أما اليوم، فقد أصبح السؤال في كثير من الحالات ليس: ماذا نريد أن نشتري؟ بل: أي الاحتياجات أكثر إلحاحاً ولا يمكن تأجيلها؟

يأتي الغذاء في مقدمة الأولويات. فالأسرة التي كانت تختار بين أنواع متعددة من السلع أصبحت أكثر اهتماماً بتوفير الاحتياجات الأساسية وبأقل تكلفة ممكنة، في حين تراجعت الكماليات بصورة كبيرة. وهذا التحول لا يؤثر في الأسرة وحدها، وإنما يغير حركة السوق وأنماط الاستهلاك والطلب على السلع.

أما السكن، فقد تحول إلى عبء اقتصادي استثنائي بالنسبة للعائلات التي فقدت منازلها أو تضررت مساكنها. فالإيجار الذي كان بنداً مستقراً في موازنة بعض الأسر أصبح يستحوذ على جزء كبير من الدخل، إلى جانب تكاليف إصلاح المنازل والأثاث والطاقة والمياه ولوازم الحياة اليومية.

وفي التعليم، تحاول الأسر الحفاظ على مستقبل أبنائها بالرغم من الظروف الاقتصادية الصعبة. فالرسوم الجامعية والقرطاسية والأجهزة الإلكترونية والإنترنت والمواصلات أصبحت نفقات تحتاج إلى تخطيط دقيق، وقد تضطر بعض الأسر إلى المفاضلة بين متطلبات التعليم واحتياجات أخرى أكثر إلحاحاً.

ولا تقل الصحة أهمية؛ فالدواء والفحوصات والعلاج والمواصلات إلى المراكز الصحية يمكن أن تتحول فجأة إلى مصروف غير مخطط له، وهو أمر شديد الصعوبة عندما تكون الأسرة قد استنفدت جزءاً كبيراً من مدخراتها.

من هنا، تحتاج مرحلة التعافي الاقتصادي في غزة إلى النظر إلى الأسرة كوحدة اقتصادية وليس فقط كمستفيدة من المساعدات. المطلوب هو إعادة مصادر الدخل من خلال فرص العمل، وتمويل المشروعات الصغيرة، ودعم التعليم والتأمين الصحي وبرامج السكن، إلى جانب تعزيز الثقافة المالية وإدارة الموازنة الأسرية.

إن نجاح إعادة إعمار غزة لن يُقاس فقط بعدد المباني التي أُعيد تشييدها، بل بقدرة الأسرة على الانتقال من اقتصاد البقاء يوماً بيوم إلى اقتصاد الاستقرار والتخطيط للمستقبل. فعندما يستطيع الأب والأم توفير الغذاء والسكن والعلاج والتعليم لأبنائهم من دخل مستقر، عندها تبدأ عملية التعافي الاقتصادي الحقيقية لغزة.

المصدر / فلسطين أون لاين