فلسطين أون لاين

الولايات الفلسطينية غير المتحدة

لم يعد ما يجري في الضفة الغربية مجرد توسع استيطاني أو إجراءات عسكرية متفرقة يمكن تفسيرها كل مرة بحجة أمنية جديدة، فما نشهده هو إعادة تشكيل للجغرافيا الفلسطينية وفق منطق استعماري يقوم على السيطرة على الأرض وتقطيع المجال الفلسطيني وحصر السكان داخل تجمعات منفصلة، بما يجعل السيطرة عليهم ممكنة دون الحاجة إلى ضمهم أو منحهم حقوقًا سياسية.

فالاحتلال لا يكتفي بالسيطرة على السكان، بل يعيد تنظيم المكان نفسه، فالمستوطنة ليست مجرد مجموعة من البيوت، والطريق الالتفافي ليس مجرد مشروع للمواصلات، والحاجز ليس مجرد إجراء أمني، بل تعمل هذه العناصر معًا على إنتاج جغرافيا جديدة تربط المستوطنات ببعضها وبالداخل الإسرائيلي، بينما تقطع التواصل بين المدن والقرى الفلسطينية، وتحد من حركة الفلسطينيين، وتفصلهم عن أراضيهم ومواردهم.

بهذه الطريقة يصبح الضم واقعًا فعليًا حتى لو لم يُعلن رسميًا، فما قيمة الإعلان القانوني إذا كانت السيطرة قائمة بالفعل على مساحات واسعة من الأرض؟ وما معنى السيادة الفلسطينية إذا كان الانتقال بين مدينة وأخرى يخضع في النهاية لمنظومة عسكرية إسرائيلية؟

المشكلة اليوم ليست فقط في مساحة الأرض التي تُصادر أو عدد المستوطنات التي تُقام، بل في شكل الضفة الغربية الذي تنتجه هذه السياسات، فبدلًا من أرض فلسطينية متصلة يمكن أن تقوم عليها دولة، تظهر مجموعة من التجمعات السكانية المنفصلة.

غزة تعيش ما نعرف، ورام الله لها واقعها، ونابلس لها واقع مختلف، وجنين تواجه وضعًا خاصًا، والخليل تعيش تعقيدات جغرافية وأمنية مختلفة، فيما ترتبط أريحا وغيرها من المناطق بممرات وطرق لا يملك الفلسطينيون السيطرة عليها، وبين هذه المدن والقرى توجد المستوطنات والطرق الالتفافية والمناطق العسكرية والحواجز، بحيث لا يعود الخطر مقتصرًا على منع قيام دولة فلسطينية، بل يمتد إلى إنتاج بديل عنها؛ تجمعات سكانية منفصلة جغرافيًا، تدير شؤونها اليومية، بينما تبقى السيطرة الفعلية على الأرض والحدود والحركة والموارد بيد الاحتلال.

هنا يصبح عنوان الولايات الفلسطينية غير المتحدة أكثر من مجرد سخرية سياسية، بل وصفًا محتملًا لواقع يتشكل تدريجيًا؛ وحدات سكانية وإدارية منفصلة، لكل منها ظروفها وأزماتها، بينما يغيب المجال الجغرافي والسياسي الموحد الذي يمكن أن يجمعها في دولة واحدة.

لكن أخطر ما في المشهد أن هذا التفكيك الخارجي للأرض يتزامن مع أزمة داخلية في النظام السياسي الفلسطيني نفسه، فالبيت الفلسطيني يحترق، بينما يبدو أن جزءًا من الجهد السياسي منشغل بإعادة ترتيب مراكز القوة وإحكام القبضة على المؤسسات.

لا تكمن المشكلة في تجديد المؤسسات أو إصلاحها، فهذا أمر مطلوب بعد سنوات طويلة من الجمود، وإنما في أن يتحول التجديد إلى صراع على السيطرة، يصبح فيه السؤال: من يملك المؤسسة؟ ومن يشكل المجلس؟ ومن يعين؟ ومن يستبعد؟ أكثر حضورًا من السؤال عن كيفية حماية الأرض وإعادة بناء التمثيل الوطني.

فالاحتلال لا ينتظر انتهاء الخلافات الفلسطينية، والاستيطان يتحرك يوميًا، ومصادرة الأرض لا تنتظر توافق القوى السياسية، ومشروعه لا يتوقف حتى تنتهي ترتيبات إعادة تشكيل المجلس الوطني، وفي المقابل، يبدو النظام السياسي الفلسطيني منشغلًا بإدارة نفسه في وقت تتقلص فيه المساحة التي يفترض أن يمارس عليها دوره الوطني.

وهنا تظهر أزمة السلطة الفلسطينية بصورة أكثر وضوحًا، فالسلطة التي نشأت باعتبارها ترتيبًا انتقاليًا نحو الدولة، تواجه اليوم أزمة شرعية سياسية وشعبية في ظل غياب الانتخابات واستمرار الانقسام وتراجع الثقة بالمؤسسات، وفي الوقت نفسه تراجعت منظمة التحرير، التي يفترض أن تكون الإطار الوطني الجامع للفلسطينيين في الداخل والشتات، أمام صعود السلطة كمركز فعلي للحياة السياسية والإدارية.

والأخطر أن إعادة تشكيل منظمة التحرير قد تتحول من فرصة لإعادة بناء الإطار الوطني الجامع إلى عملية تعيد إنتاجه من داخل منظومة السلطة، فالمسألة ليست مجرد تشكيل مجلس وطني جديد، بل من يشكله، ومن يُمَثَّل، ومن يقرر شكل المشاركة؟ فإذا أصبحت السلطة هي التي تعيد تشكيل المنظمة، تنقلب العلاقة التي يفترض أن تكون قائمة بين الطرفين؛ السلطة يفترض أن تكون نتاجًا لمنظمة التحرير وبرنامجها، وعندما يحدث العكس، يضيق الإطار الوطني ليقترب من حدود السلطة الجغرافية والسياسية، وتفقد المنظمة تدريجيًا قدرتها على تمثيل الفلسطينيين جميعًا.

وهنا تكمن المفارقة الأكثر خطورة، فالاحتلال يعمل على تفكيك الجغرافيا الفلسطينية، بينما يجري في الداخل إضعاف الإطار السياسي الذي يفترض أن يحافظ على وحدة التمثيل الوطني، وبالتالي لا معنى للسيطرة على مؤسسة وطنية إذا كانت الأرض التي يفترض أن تمثلها تتفكك أمامها، ولا فائدة من إحكام القبضة على المنظمة إذا فقدت قدرتها على أن تكون بيتًا لجميع الفلسطينيين.

لذلك، فالخيارات أمام السلطة ليست كثيرة، يمكنها الاستمرار بإدارة الواقع القائم، بما يعنيه ذلك من مزيد من فقدان الشرعية وتحولها تدريجيًا إلى إدارة مدنية، ويمكنها، في المقابل، إعادة تعريف دورها ضمن مشروع وطني أوسع، يبدأ بإعادة بناء المنظمة على أسس الشراكة والتمثيل الحقيقي، ويعيد السلطة إلى موقعها الطبيعي كجزء من النظام الوطني لا مركزًا يهيمن عليه.

إن الاستمرار في ترتيب البيت الداخلي بينما يحترق البيت الفلسطيني ليس خيارًا محايدًا، فهو قد يؤدي مع مرور الوقت إلى أن يصبح تفكيك الأرض مصحوبًا بتفكيك التمثيل السياسي نفسه، وعندها قد لا ينجح الاحتلال فقط في تحويل الضفة الغربية إلى جزر منفصلة، بل قد نجد أنفسنا أمام نظام سياسي تتسع فيه المسافة بين المؤسسات والمجتمع، وبين السلطة والتمثيل الوطني.

عندها قد لا نصل إلى دولة فلسطينية موحدة، ولا حتى إلى سلطة انتقالية تقود إليها، بل إلى واقع جديد؛ وحدات سكانية منفصلة، وأرض مجزأة، وسيادة غائبة، وتمثيل سياسي يتراجع، أي الولايات الفلسطينية غير المتحدة.

المصدر / فلسطين أون لاين