قد لا تحتاج قرية المغير شمال شرق رام الله إلى تعريف طويل، حيث يكفي أن تنظر إلى ما يحدث فيها خلال السنوات الأخيرة لتفهم أن المسألة لم تعد مجرد اعتداءات متفرقة ينفذها مستوطنون، ثم تنتهي القصة ببيان إدانة جديد.
المغير تبدو اليوم كأنها مسرح عمليات مفتوح، تتكرر فيه المشاهد نفسها مع الاختلاف في بعض التفاصيل: مستوطنون يتجمعون، ثم يهاجمون، وجيش الاحتلال يحضر، والأهالي يحاولون حماية بيوتهم وأرضهم ومواشيهم، ثم يسقط شهداء وجرحى، وتبدأ بعدها دورة البيانات والتنديد والمطالبة بالحماية.
لكن الرقم الذي أعلنه رئيس مجلس قروي المغير يوم أول أمس، أمين أبو عليا، أكثر قسوة من أي وصف؛ حين قال إنه لم يتبقَّ لأهالي البلدة سوى نحو 900 دونم من أصل 43 ألفًا، أي ما يقارب 2% من مساحة أراضيها الكلية، أما الباقي فيتآكل بين السيطرة الاستيطانية والمصادرات والبؤر الاستيطانية التي أقيمت في أراضي البلدة، فضلًا عن القيود التي تجعل الوصول إلى ما تبقى من الأرض مغامرة قد يدفع صاحبها ثمنها من حياته.
وفي السياق ذاته، كانت المغير تدفع ثمنًا بشريًا باهظًا؛ فقد استشهد تسعة من أبناء البلدة منذ بداية العام، وأصيب أعداد أكبر بكثير جراء الاعتداءات المتكررة، وهنا تصبح الأرقام أكثر من مجرد إحصاءات مجردة.
فالـ 43 ألف دونم ليست مساحة جغرافية عادية، بل هي حقول وأشجار ومراعٍ ومصادر رزق وذاكرة عائلات امتدت جيلًا بعد جيل، والـ 900 دونم ليست رقمًا متبقيًا في سجلات الأراضي، بل المساحة الضيقة التي يفترض أن يعيش فيها قرابة ثلاثة آلاف فلسطيني بعد أن تقلصت أرضهم إلى ما يشبه جزيرة محاصرة من جميع الجهات.
والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل المغير مجرد بلدة أخرى تستهدف خلال هذا التصعيد غير المسبوق والإرهاب، أم أنها أصبحت شيئًا أكبر من ذلك؟ ربما تكون المغير، من دون أن يعلن أحد ذلك صراحة، حالة اختبار متدرج، اختبار لما يمكن أن يحدث عندما يتحرك المستوطنون داخل قرية فلسطينية، وما إذا كان جيش الاحتلال سيحمي السكان أم سيتحول إلى شريك في المشهد؟ إنه اختبار لرد الفعل الفلسطيني، وللقدرة العربية، وللموقف الدولي الذي يبدو في كل مرة مستعدًا لإنتاج بيان جديد أكثر من استعداده لإنتاج إجراء رادع أو القيام حتى بأبسط واجباته.
وهذا هو الجزء الأكثر إثارة للقلق، لأن التجربة لا تبدو محصورة في المغير وحدها، فغزة كانت وما زالت أعظم اختبار شهده العالم، ومخيمات جنين وطولكرم ونور شمس كانت اختبارات أخرى، ثم قصرة، بحصارها واعتداءات المستوطنين عليها، تقدم نموذجًا مشابهًا لما يمكن أن يحدث عندما تصبح القرى الفلسطينية مكشوفة من الداخل ومحاصرة من الخارج، وما يجري في جنين وسهل عرابة ومسافر يطا وغيرها من المناطق الزراعية، من اقتلاع لأشجار الزيتون وتدمير لمصادر الرزق، ليس تفصيلًا منفصلًا عن الصورة الكبرى.
كل حادثة تبدو منفصلة إذا نظرنا إليها وحدها، لكن جمعها معًا يرسم صورة مختلفة تمامًا، يرسم الصورة التي لا يريد أن يراها أحد، الصورة التي تقول إن المسألة لا تتعلق بمستوطن يهاجم فلسطينيًا أو شجرة زيتون تُقتلع، بل بتغيير شروط الحياة نفسها، وأن تصبح الأرض التي كانت ملكًا لعائلة غير قابلة للوصول، وأن تصبح الطريق إلى المزرعة منطقة خطر، وأن يضطر المزارع لمراقبة أرضه من بعيد وهي تُسرق وتُجرف، وأن يتحول وجود القرية وحق أهلها في أرضهم إلى أمر قابل للتفاوض، لا باعتبارها خزانًا بشريًا له حق ثابت في الحياة، بل باعتبارها عقبة يمكن دفعها تدريجيًا نحو الاختفاء.
لهذا تبدو المغير صورة مصغرة لما يمكن أن تصبح عليه الضفة الغربية إذا استمر هذا المسار دون كلفة سياسية حقيقية، فالاستيطان لا يحتاج دائمًا إلى إعلان كبير، بل يبدأ ببؤرة، ثم طريق، ثم مصادرة، ثم إغلاق، ثم منع وصول، ثم اعتداء وقتيل، ثم نزوح عائلة، لتصبح الأرض "متنازعًا عليها"، وبعد فترة يعاد تعريف الجريمة بعد اكتمالها، والأكثر إيلامًا أن العالم يعرف كل التفاصيل عبر التقارير وما توثقه المؤسسات الحقوقية يوميًا، ومع ذلك يبقى الفارق بين المعرفة والفعل شاسعًا جدًا.
ثمانية عقود من الصراع والاقتلاع والسيطرة تقول بوضوح إن هذا الاحتلال، عندما لا يواجه رادعًا حقيقيًا، لا يتوقف عند الحد الذي وصل إليه، بل يعيد تعريف الحد في كل مرة، ليصبح الاستثناء قاعدة والاعتداء سياسة، وإذا استمر العالم في التعامل مع كل قرية فلسطينية باعتبارها حادثة منعزلة، فسوف يستيقظ ذات يوم ليكتشف أن الحوادث المنفصلة لم تكن سوى خطة تتقدم بخطى ثابتة، وكانت المغير إحدى المحطات، لا أكثر.

