مع بداية موسم دراسي جديد في قطاع غزة، تعود المدارس لتفتح أبوابها أمام الأطفال والطلبة من مختلف المراحل العمرية، في مشهد يحمل الكثير من الأمل وسط واقع استثنائي فرضته الحرب وآثارها القاسية على مختلف مناحي الحياة.
فعودة الطلبة إلى مقاعد الدراسة ليست مجرد بداية لعام أكاديمي جديد، وإنما رسالة واضحة بأن التعليم في غزة ما زال قادرًا على الاستمرار، وأن مستقبل الأجيال لا يمكن أن يتوقف مهما كانت الظروف.
لقد أثرت الحرب بصورة مباشرة على العملية التعليمية، من خلال تضرر المدارس والمنشآت التعليمية، ونزوح أعداد كبيرة من الأسر، وفقدان الكثير من الطلبة بيئاتهم التعليمية المستقرة، إضافة إلى الأعباء الاقتصادية التي أصبحت تتحملها الأسر مع بداية كل عام دراسي، من مستلزمات مدرسية وملابس وحقائب وقرطاسية ومواصلات وغيرها.
ومن المنظور الاقتصادي، يمثل التعليم أحد أهم أشكال الاستثمار في رأس المال البشري. فالاقتصاد لا يمكن أن يتعافى أو يعيد بناء نفسه من دون جيل متعلم يمتلك المعرفة والمهارات والقدرة على الابتكار والإنتاج. وكل يوم دراسي يستمر رغم الحرب هو خطوة باتجاه بناء قوة بشرية قادرة مستقبلًا على إدارة مشاريع إعادة الإعمار، وتطوير القطاعات الإنتاجية، وخلق فرص العمل، وتعزيز الاقتصاد الرقمي.
كما أن الموسم الدراسي يمثل حركة اقتصادية مهمة في المجتمع؛ فالمدارس تحرك قطاعات متعددة مرتبطة بها، بدءًا من المكتبات ومحال القرطاسية والملابس والأحذية، وصولًا إلى خدمات النقل والطباعة والاتصالات والتكنولوجيا. وبالتالي، فإن استمرار التعليم يساهم، ولو بصورة محدودة، في تنشيط دورة اقتصادية يحتاجها المجتمع بشدة.
لكن الأهم من الأرقام والمؤشرات الاقتصادية هو أن التعليم يمنح أطفال غزة أملاً بالمستقبل. فالطفل الذي يحمل حقيبته ويتجه إلى مدرسته اليوم، رغم كل ما مر به، يؤكد أن الإرادة بالحياة أقوى من آثار الحرب.
إن دعم التعليم في غزة يجب أن يكون أولوية إنسانية واقتصادية، ليس فقط من خلال إعادة بناء المدارس، وإنما أيضًا عبر توفير بيئة تعليمية آمنة، ودعم المعلمين والطلبة، وتوفير الأدوات والتقنيات الحديثة، وتعويض الفاقد التعليمي.
وفي بداية هذا الموسم الدراسي، تبقى رسالتنا واضحة: قد تتوقف الكثير من مظاهر الحياة بسبب الحرب، لكن يجب ألا يتوقف التعليم؛ لأن إعادة بناء الإنسان هي البداية الحقيقية لإعادة بناء غزة.
كل عام وطلبة غزة بخير، وكل عام ومعلموها وطواقمها التعليمية صامدون، يحملون رسالة العلم والأمل نحو مستقبل أفضل.

