فلسطين أون لاين

كانت تستعد للصف الخامس فتناثرت دفاترها مع دمائها

الطفلة وفاء عكيلة.. قبل أن تحمل حقيبتها إلى المدرسة شيعها أهلها إلى قبرها

...
الطفلة وفاء يوسف عكيلة تلتحق بقافلة شهداء الطفولة
غزة/ يحيى اليعقوبي:

طفلة شغوفة بالعلم والرسم، تتجهز لاستقبال عامها الدراسي الجديد، بلهفة كانت تشتري الحقيبة والقرطاسية من دفاتر وأقلام، تملأ وقتها بالمذاكرة وحفظ القرآن الكريم، فكان لدى الطفلة وفاء يوسف عكيلة التي كانت على وشك الدخول في الصف الخامس الابتدائي حلم كبير ترويه بالسعي والمثابرة وتسعى لتحقيقه على خطى والديها اللذين تشربت منهما حب التعلم والإقبال على الحياة.

في يومها الأخير رافقت وفاء والدها لشراء القرطاسية المدرسية، ربما هو الآخر كان سعيدًا بهذه اللحظة، وهو الذي يرافقها مع كل بداية موسم دراسي جديد، لكن صاروخا إسرائيليا استهدف السيارة التي كانا يستقلانها. وقد كان الصاروخ ثقيلا على جسد الطفلة التي لم تكن ترى سوى كتب الدراسة وأقلام رسم لتلون بها شكلاً للحياة التي تريد أن تعيشها معاندةً الموت الذي وضعها فيه الاحتلال. لكن كان المشهد هنا بلونٍ واحد عندما سالت بقعة كبيرة من دمائها على الأرض وبجانبها تناثرت كتب القرطاسية التي اشترتها وهي تستعد للفصل الدراسي الجديد.

وجدت الطفلةُ نفسها في ظروف حرب ونزوح وقصف كانت تقف في وجه أحلامها البريئة التي لم تتجاوز مقاعد الدراسة، وحتى تلك المقاعد لم يسمح لها الاحتلال أن تجلس عليها لتمارس حقها في التعليم، حينما امتزجت صفحات كتبها المدرسية بدمائها، لتبقى شاهدة على حكاية طموح طفلة لم تنجُ من ويلات الإبادة المستمرة، وشاهدة على جرائم ترتكب بحق الطفولة أمام مرأى ومسمع من العالم الصامت على ما يجري في قطاع غزة.

خطة مدرسية

منذ أيام كانت وفاء تنخرط ضمن برنامج مدرسي استدراكي تراجع متطلبات الصف الرابع في مساع وخطط تعليمية لتمكين الطلبة من المنهاج قبل الانتقال لمستوى جديد. وضمن خطة مدرسية وعائلية لتأهيل الطفلة نحو أعلى المراتب كانت تذهب الطفلة للدراسة أيام السبت والاثنين والأربعاء، وتحفظ القرآن الكريم أيام الأحد والثلاثاء والخميس، وبين الاستراحة ترسم لتجسد كل ما يدور في فكرها على ورقة بيضاء سرعان ما تجعلها تنبضُ بالحياة وتبعث الأمل والرسائل.

كان مشهد تمدد الطفلة على الأرض قاسيا على قلب جدها (من جهة الأم) المهندس أيمن العكلوك، عندما تفاجأ بالصورة منتشرة على صفحات التواصل الاجتماعي في وقت تزامن مع وصول اسم الطفلة ووالدها بين عداد الشهداء وهو يبحث عن الخبر اليقين بين أنباء متسارعة تلت الاستهداف، وكانت الصدمة كبيرة على قلب أمها التي كانت تنتظر عودتها للبيت.

WhatsApp Image 2026-09-07 at 8.09.20 PM (2).jpeg
 

في بيت عزاء أقامته العائلة غرب مدينة غزة، يجلس جدها بقلب مكسور وعينين دامعتين يستقبل المعزين برفقة أعمام الطفلة، وخلف ملامحهم الصامتة يتوارى حزن كبير. كانت جموع كبيرة من المعزين يتوافدون لبيت العزاء.

يحكي جدها لصحيفة "فلسطين" بعينين محمرتين وقلب مكلوم تمشي فيه الكلمات على جمرات حزن: "كانت وفاء طفلة طموحة، وكانت تدرس إلى جانب البرنامج المدرسي (دروس استدراكية للصف الرابع)، التحفيظ القرآني، إضافة إلى الدراسة في أكاديمية لمستويات اللغة الإنجليزية، تحاول أن تلم بالعلم منذ طفولتها، ولم تكن كتلة يائسة، بل لديها طموح عالٍ كأي طفل في العالم".

اختارت العائلة لها مدرسة قريبة من المنزل الواقع بمحيط ملعب فلسطين، وسجلت في مدرسة "تطوير الإنسان"، فكان اسم المدرسة يتطابق مع طموح وفاء ومستواها المدرسي الذي كانت دائما تسعى لتطويره، وأضاف: "وفقنا في اختيار المدرسة لأنها لا تهتم بالطالب فقط بل تتابع الأمر مع أولياء الأمور والطالب، وعندما استشهدت الطفلة وقف الكادر المدرسي مع والدتها في مصابهم".

مشهد مؤلم

لا تفارق صورة الطفلة وهي ممددة على الأرض ذاكرة جدها، وكأنها التصقت به ولا يستطيع تخطيه: "عرفت بالاستشهاد عندما قفزت الصورة على شاشة هاتفي، كانت صدمة كبيرة لم نتهيأ لها. ابنتي ما زالت تعيش الصدمة، لكن ما يخفف عنها الآن أن المعزين يحيطون بها، وأنها مؤمنة بقضاء الله".

لم تلتقِ آية نايف الحاج بالطفلة وفاء، لكنها كانت زميلة لأمها سحر العكلوك في دراسة الماجستير، تقول الحاج: "كنت حينها أريد بدء العمل على رسالتي، كانت زميلتي سحر على وشك الولادة، ويومها تفرغت للولادة ورعاية طفلتها في أشهرها الأولى، لم أكن أعرف أن الطفلة ستكبر ثم تخطفها الحرب".

وأضافت الحاج في رسالة مواساة كتبتها إلى زميلة الدراسة: "في الوقت الذي كانت تؤجل فيه حلمها الأكاديمي لتكون إلى جوار طفلتها لم يكن في خيال أحد أن يأتي يوم تحرم فيه منها، لم تكن وفاء رقما في خبر لكنها كانت طفلة اختارتها أمها على حساب حلمها".

خلال 24 ساعة قتل الاحتلال ثلاثة أطفال في أماكن متفرقة في القطاع، أحدهم كان يغط في نومه آمنا على فرشة نزوحه داخل صف مدرسي فسقطت القذيفة التي أطلقتها مدفعية الاحتلال بشكل عشوائي فقتلت الطفلة، ووفاء التي كانت تركض نحو استقبال العام الدراسي الجديد وهي تتجهز له بالتحصيل العلمي أو شراء المستلزمات والقرطاسية.

WhatsApp Image 2026-09-07 at 8.09.20 PM (1).jpeg
 

المصدر / فلسطين أون لاين