في خيمة لا تكاد تقيها قسوة النزوح في منطقة أصداء، جنوب قطاع غزة، تقضي يارا رمضان أبو حدايد أيامها وهي تواجه مرضًا لم يكن في حساب طفلة لم تتجاوز الثانية عشرة من عمرها، فهي النازحة مع عائلتها من منطقة الفخاري بخان يونس، وتعاني متلازمة داون، قبل أن تنقلب حياتها خلال الأسابيع الأخيرة بعد تشخيص إصابتها باللوكيميا الحادة.
ففي 10 أغسطس/آب 2026، بدأت ملامح المرض تظهر بوضوح على جسد يارا؛ وجه شاحب يميل إلى الاصفرار، وإرهاق شديد، وتراجع متواصل في حالتها الصحية، وبعد إجراء الفحوصات الطبية، تبينت إصابتها باللوكيميا، لتدخل الأسرة منذ ذلك الوقت في سباق مع الوقت بحثًا عن العلاج وتأمين احتياجاتها الطبية الأساسية.
تقول والدة يارا، البالغة من العمر 54 عامًا، لصحيفة "فلسطين": "وضع ابنتي يتدهور بشكل سريع، وباتت تحتاج إلى نقل الدم بصورة شبه يومية"، الأمر الذي يجعل العثور على وحدات الدم المناسبة هاجسًا دائمًا للعائلة.
وتوضح أن يارا تحمل فصيلة دم سالبة، وأن الأسرة تواجه صعوبة كبيرة في توفير المتبرعين، خصوصًا مع حاجتها المتكررة إلى الدم، في وقت تتراوح فيه مستويات الهيموغلوبين لديها بين درجتين وأربع درجات وفق ما ذكرته الأسرة، ما يزيد من خطورة وضعها الصحي ويجعل تأمين الدم ضرورة مستمرة.
وقبل نحو شهر من تشخيصها، تعرضت يارا لوعكة صحية حادة دفعت عائلتها إلى نقلها إلى مستشفى ناصر الطبي، بعدما بدت حالتها شديدة الخطورة، واحتاجت إلى دخول العناية المركزة، في حين كان انخفاض مستوى الدم من أبرز المؤشرات التي أثارت القلق بشأن وضعها الصحي.
فلم يكن دخولها المستشفى نهاية الأزمة، بل بداية لسلسلة من الفحوصات التي حاول الأطباء من خلالها معرفة سبب التدهور السريع في حالتها، وبعد الفحوصات، جاء التشخيص الذي غيّر مسار حياة الأسرة كونها مصابة باللوكيميا الحادة.
وبالنسبة إلى طفلة تعاني أصلًا من متلازمة داون وضعف في المناعة، أصبح المرض أكثر تعقيدًا، إذ بات جسدها بحاجة إلى متابعة ورعاية وعلاج متخصص لا تستطيع الأسرة توفيره في ظروف النزوح والحرب.
وتضيف والدتها: "أكثر ما يؤلمني اليوم هو أن أرى ابنتي تضعف أمام عيني، وأحاول في الوقت نفسه تأمين الدم والعلاج ومتابعة إجراءات السفر"، مشيرة إلى أن الأسرة تعيش يومها بين الخوف من تدهور حالتها والأمل في أن تصل يارا إلى مكان تستطيع فيه تلقي العلاج اللازم.
تحويلة طبية.. وانتظار لا ينتهي
منذ أكثر من ثلاثة أسابيع، حصلت عائلة يارا على التحويلة الطبية اللازمة للعلاج خارج قطاع غزة. كان حصولهم عليها بمثابة نافذة أمل، إذ اعتقدت الأسرة أن الطريق نحو العلاج أصبح أقرب، وأن ابنتها ستتمكن أخيرًا من الوصول إلى الرعاية التي تحتاج إليها.
ولكن التحويلة لم تعنِ أن الرحلة انتهت؛ فما زالت الأسرة تنتظر استكمال إجراءات التنسيق والخروج في ظل القيود الإسرائيلية، بينما يواصل المرض الضغط على جسد طفلة تعاني من ضعف شديد في المناعة وتحتاج إلى متابعة طبية مستمرة.
فكل يوم يمر بالنسبة إلى العائلة يحمل سؤالًا جديدًا: متى ستتمكن يارا من السفر؟ وكيف ستؤمّن الدم الذي تحتاج إليه خلال هذه الفترة؟ وهل تستطيع حالتها الصحية تحمّل مزيد من الانتظار؟
وفي الخيمة التي أصبحت منزلها المؤقت، لا تواجه يارا المرض وحده، فإلى جانب اللوكيميا، تعيش تبعات النزوح، وظروفًا صحية صعبة، وحاجة متواصلة إلى الدم، في حين تفتقر عائلتها إلى الإمكانات التي تمكنها من تأمين احتياجاتها الطبية بمفردها.
وتناشد الأسرة الجهات المعنية الإسراع في استكمال إجراءات سفر يارا، وتمكينها من الوصول إلى العلاج خارج القطاع، إلى جانب مساعدتها في توفير وحدات الدم التي تحتاج إليها بصورة متكررة.
فيارا، التي كان يفترض أن تنشغل في هذا العمر بتفاصيل طفولتها، وجدت نفسها أمام اللوكيميا والعلاج ونقص الدم والانتظار، وبينما تتمسك عائلتها بالأمل، يبقى مطلبها واضحًا: الإسراع في إخراجها للعلاج، وعدم السماح للوقت بأن يتحول إلى عبء إضافي على جسد طفلة أنهكها المرض والنزوح.

