لم تكن الحرب بالنسبة إلى فضل ياسين مجرد رحلة نزوح قاسية، أو فقدان منزل اعتاد أن يعيش فيه قبل أن يتحول إلى خيمة، بالنسبة للرجل القادم من حي الزيتون في مدينة غزة، بدأت الحرب بفقدان زوجته وابنته واخوين واختين في استهداف طالهم في الأيام الأولى من حرب الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة، لتتركه أمام صدمة لم يكن مستعدًا لها، وهو الذي يعيش أصلًا مع إعاقة بصرية جزئية تحد من قدرته على الحركة والتعامل مع ظروف الطوارئ.
يقول فضل، البالغ من العمر 35 عامًا، لصحيفة "فلسطين" إن حياته قبل الحرب كانت أكثر استقرارًا، فقد كان يعيش في منزله بحي الزيتون، وأنهى دراسته الجامعية، وحاول أن يجد لنفسه مكانًا في سوق العمل رغم إعاقته البصرية، شارك في برامج تشغيل مؤقتة، ثم أتيحت له فرصة للعمل في القطاع الخاص ضمن برامج تهدف إلى تشجيع تشغيل الأشخاص ذوي الإعاقة.
كان يشعر آنذاك بأن هناك مساحة يمكنه من خلالها الاعتماد على نفسه، وأن إعاقته لا تعني أن يبقى خارج سوق العمل أو بعيدًا عن المجتمع، لكن الحرب قلبت حياته رأسًا على عقب.
يستعيد فضل بدايات الحرب بصعوبة، موضحًا أن القصف والتهديدات الإسرائيلية التي طالت المنطقة أجبرت كثيرًا من السكان على محاولة مغادرة أماكنهم، بينما لم يكن هو يمتلك الخبرة أو القدرة الكافية على تدبير طريق نزوحه بسبب إعاقته البصرية.
ويقول:" أنا صاحب إعاقة، وما كنتش أعرف كيف أنزل أو أروح، وما عنديش معرفة بهذه الأمور، كل واحد دبر حاله مع أقاربه، وأنا ما عرفتش أدبر حالي، لذلك بقيت في مدينة غزة ولم أنزح".
وفي خضم الفوضى جاءت الصدمة الأكبر، فقد فضل زوجته وابنته في استهداف منزله في بداية الحرب. كانت زوجته وابنته في المنزل وقتها.
يوضح فضل أن فقدهما كان صدمة كبيرة، لم يكن يتخيل أن يواجهها في بداية حرب لم يكن يعرف إلى أين ستقوده أو كيف ستنتهي، ولم يكن فقد الأسرة وحده ما أثقل كاهله؛ فحين وقعت الصدمة، فقد فضل بصره لفترة وصلت إلى نحو 12 ساعة نتيجة شدة الصدمة النفسية، قبل أن يعود إلى مستوى الرؤية الذي كان عليه قبل الحرب، أي الإعاقة البصرية الجزئية.
فضل لا يعاني من فقدان كامل للبصر، لكنه لا يستطيع الرؤية بوضوح إلا لمسافة محدودة، وتتأثر قدرته على الإبصار بالضوء الشديد، خصوصًا أشعة الشمس، ومع استمرار الحرب والنزوح والعيش في الخيام، ازدادت معاناته، وأصبح يشعر بتراجع إضافي في قدرته على الرؤية، كما بات يحتاج إلى قطرات وأدوية للعين.
في الماضي، كان منزله مهيأ نسبيًا لاحتياجاته، وكان يستطيع التحرك داخله بصورة أكثر أمانًا، أما اليوم، فهو يعيش في خيمة لا توفر له الظروف الملائمة لشخص يعاني من إعاقة بصرية.
ويشرح أن الخيمة التي يعيش فيها لا توفر الظل الكافي، بينما تمثل الشمس مشكلة حقيقية بالنسبة له ولأشخاص آخرين يعانون من ضعف البصر، في وقت لا تتوافر فيه الإمكانات اللازمة لاستبدالها بخيمة أكثر ملاءمة.
ولا تتوقف معاناة فضل عند حدود المكان، فبعد نزوحه، وجد نفسه في مواجهة تفاصيل يومية تبدو بسيطة بالنسبة إلى الآخرين، لكنها تصبح شديدة الصعوبة لشخص يعاني من ضعف البصر.
حتى الحصول على المساعدات أو الاحتياجات الأساسية يتحول إلى مهمة شاقة، ويقول إنه لم يحصل طوال فترة الحرب على فرشة أو بطانية أو أدوات مطبخ أو مستلزمات أساسية، واضطر في أحيان كثيرة إلى الاعتماد على ما يستطيع تدبيره بنفسه أو بمساعدة محدودة من الآخرين.
وفي المخيم الذي يقيم فيه حاليًا، يشعر فضل بأن ذوي الإعاقة البصرية لا يحصلون على الاهتمام الذي يحتاجونه، مشيرًا إلى وجود عدد من الخيام التي يقيم فيها أشخاص من ذوي الإعاقة، إلا أن توفير الخيمة وحده لا يعني أن المكان أصبح ملائمًا لاحتياجاتهم.
ويرى أن الخيام ذات التصميم الذي يوفر مساحة وظلًا وحماية أفضل قد تكون أكثر ملاءمة لهم، لكنه يقول إن مثل هذه الخيام غير متوفرة له، لافتاً إلى أنه ومع اقتراب فصل الشتاء، تزداد مخاوفه من أن تتحول الخيمة الحالية إلى عبء جديد، خصوصًا أنها تحتاج إلى تدعيم وربط وتجهيز يحميها من الظروف الجوية.
فالرجل الذي فقد زوجته وابنته في الحرب لا يبحث فقط عن مأوى، بل عن مأوى يستطيع داخله أن يتحرك بأمان، ويحمي عينيه من الشمس، ويشعر فيه بأنه ليس منسيًا.
من حياة العمل إلى حياة الانتظار
قبل الحرب، لم يكن فضل يريد أن يعيش معتمدًا على المساعدات، كان يبحث عن فرصة عمل تتناسب مع إعاقته، وشارك في برامج تشغيل، وعمل في مؤسسات وشركات خاصة ضمن فرص هدفت إلى دمج الأشخاص ذوي الإعاقة في سوق العمل.
أنهى دراسته الجامعية، وتخصص في مجال العلاقات العامة، وعمل في مهام تتطلب التواصل عبر الهاتف والتنسيق مع المؤسسات والأعضاء، لكن الحرب أنهت تلك المساحة من الاستقرار، وحولته من شخص يبحث عن فرصة عمل إلى شخص يبحث عن أبسط مقومات الحياة.
ويرى أن التشغيل بالنسبة له ليس مجرد مصدر دخل، بل وسيلة للخروج من حالة العزلة والحزن التي فرضتها الحرب، مطالباً بتوفير أي فرصة عمل له تتوائم مع حالته الصحية لتنسيه هم الحزن والكآبة التي يعيش فيها.
ويشدد على أن تشغيل الأشخاص ذوي الإعاقة في القطاع الخاص يحتاج إلى دعم مؤسسي حقيقي، لأن بعض أصحاب العمل قد لا يعرفون كيفية التعامل مع الشخص ذي الإعاقة، أو قد يترددون في تشغيله من دون وجود جهة تساعد على ضمان حقوقه وتوفير بيئة مناسبة للعمل.

