كل ليلة، تلف ليلى خالد أبو سعادة قدمها اليمنى بقطعة من الملابس قبل أن تنام، خوفًا من أن تعضها الفئران التي تتسلل إلى خيمتها الممزقة. فالفتاة ذات الستة عشر عامًا، التي بُترت أصابع قدمها إثر إصابتها بشظية خلال حرب الإبادة، لم تجد في خيمتها ملاذًا آمنًا من الألم، ولا مكانًا يحميها من القوارض، في حين يحل الشتاء بخوفه وبرده وأمطاره.
تعيش ليلى مع عائلتها في خيمة مهترئة لا تقيهم الرياح، ولا تحميهم من مياه الأمطار، ومع هطول الأمطار، تقف الأسرة عاجزة أمام سؤال واحد: كيف ستواجه البرد داخل مأوى لا يوفر لها الحد الأدنى من الحماية، في حين لا تملك المال لإصلاحه أو استبداله؟
وبدأت معاناة ليلى في الثاني من مارس/آذار 2024، حين وقع قصف إسرائيلي بالقرب منها في قطاع غزة، وسط مجاعة كانت تفتك بالأهالي، فأصابتها شظية اخترقت قدمها اليمنى. تقول لصحيفة "فلسطين": "لم اشعر في البداية بخطورة الإصابة، وحاولت التعايش معها، لكن بعد نحو ثلاثة أشهر بدأت قدمي تنتفخ، ثم ازرق لونها، واشتدت آلامها حتى بات المشي صعبًا عليها".

تنقلت مع أسرتها بين العيادات والمستشفيات بحثًا عن علاج، إلى أن تبينت إصابتها بالغرغرينا، واتخذ الأطباء قرارًا ببتر أصابع قدمها اليمنى.
لم تستوعب ليلى الصدمة بسهولة، فالفتاة التي اعتادت الاعتماد على نفسها ومساعدة أسرتها في شؤون المنزل، وجدت نفسها عاجزة عن تلبية أبسط احتياجاتها الشخصية، وبحاجة إلى من يساعدها في تفاصيل حياتها اليومية.
ولا تزال تحاول التأقلم مع آثار الإصابة، التي حرمتها من استكمال تعليمها نحو عامين، ومع عودتها إلى المدرسة هذا العام، واجهت صعوبات في تعويض ما فاتها من دروس والتكيف مع وضعها الصحي، كما تحتاج إلى حذاء خاص يساعدها على المشي، لكن ارتفاع ثمنه يشكل عبئًا إضافيًا على أسرة فقدت مصدر دخلها.
وتقول والدتها إن ليلى كانت تساعدها وتعينها في المنزل، قبل أن تصبح هي نفسها بحاجة إلى المساعدة. وتضيف أن إصابة ابنتها تركت أثرًا نفسيًا بالغًا عليها، حتى باتت تتناول أدوية للعلاج النفسي، في محاولة للتعامل مع الصدمة والضغوط المتراكمة.
ولم تكن إصابة ليلى المحنة الوحيدة للأسرة، فوالدها خالد أُصيب في فخذه أثناء عودته من منطقة الشعف بغزة، حيث ذهب لاستعادة كيس الطحين والمعلبات التي لم تتمكن العائلة من حملها خلال النزوح. وخضع لعملية جراحية رُكبت خلالها صفائح معدنية، ثم أُجريت له عملية لفكها، لكنه لا يزال يعاني آثار الإصابة ومضاعفات الالتهاب والنزيف، وفق رواية الأسرة.
ومع عجز الأب عن العمل، وجدت العائلة نفسها بلا مصدر دخل، في مواجهة احتياجات تتزايد يومًا بعد آخر، فليلى تحتاج إلى رعاية طبية وحذاء خاص، ووالدها لا يزال يعاني إصابته، فيما تحاول الأم تحمل أعباء الأسرة رغم حالتها النفسية.

أما الخيمة، فتبقى الهمّ الذي يثقل أيامهم مع حلول الشتاء، لا تعرف الأسرة كيف ستواجه الأمطار والرياح، ولا كيف ستحمي فراشها وأغطيتها من البلل، في ظل تمزق المأوى وتسلل الفئران إليه. وبالنسبة إلى ليلى، لا يمثل الأمر مجرد نقص في الراحة، بل خطرًا يضاعف قلقها على قدمها المصابة، التي تحاول حمايتها كل ليلة بقطعة من الملابس.
بين ألم الإصابة، وصعوبة العودة إلى المدرسة، وغياب الدخل، وخيمة لا توفر الأمان، تجد ليلى نفسها أمام أعباء تفوق ما ينبغي لفتاة في عمرها أن تتحمله.
"كل ما تحتاج إليه ليلى أن تنام دون خوف، وأن تجد مأوى يحميها من المطر، وحذاءً يساعدها على المشي، وفرصة لمواصلة تعليمها"، وفق حديث والدتها، لكن الشتاء جاء، والخيمة ما زالت ممزقة، والأسرة لا تعرف كيف ستواجه أيامه الباردة.


