تتخبط المشاهد السياسية الفلسطينية على وقع إعلان رئيس السلطة محمود عباس عن التوجه لإجراء انتخابات تشريعية، في خطوة تأتي وسط تعقيدات غير مسبوقة يعيشها المشروع الوطني برمته.
وإذا كان النبض العام في الشارع الفلسطيني، لا سيما في قطاع غزة الذي يكتوي بنار الإبادة والدمار والقصف والاغتيالات والملاحقة المستمرة من الاحتلال الإسرائيلي، يناظر بحذر شديد إلى أي حراك سياسي بمعزل عن معالجة جذور الأزمة، فإن قراءة متأنية للواقع السياسي تؤكد أن حركة المقاومة الإسلامية (حماس) تقف اليوم في موقع تجني فيه مكاسب استراتيجية في كلا السيناريوهين، سواء أتمّت الانتخابات وجرت في مواعيدها، أم تعطلت وبقيت حبرًا على ورق.
يعيش قطاع غزة وسط واقع سياسي وميداني شديد التعقيد، فالدمار الهائل والمجازر المستمرة لم تفلح في كسر إرادة الحاضنة الشعبية للمقاومة. وفي الوقت الذي تتردد فيه أصداء الدعوات الانتخابية من رام الله، يدرك الغزيون أن أي استحقاق انتخابي يجب ألا يتحول إلى غطاء لتجاوز تضحيات الدم أو القفز عن الشراكة الوطنية الحقيقية التي فرضتها معركة الصمود.
من هنا، تنطلق حركة "حماس" في تعاملها مع هذا الملف من أرضية صلبة تفترض أن غزة، بمدنها المخضبة بالصمود والملاحقة، هي بوصلة الشرعية الحقيقية التي لا يمكن تجاوزها أو القفز عن وزنها السياسي والميداني.
السيناريو الأول:
إن حصلت الانتخابات وجرت ترجمة المراسيم الرئاسية إلى واقع ملموس، فإن "حماس" لن تدخل هذا الاستحقاق بمعزل عن محيطها الوطني، بل تشير المعطيات وقراءات الخرائط السياسية إلى ميل نحو تشكيل تحالفات وطنية وفصائلية واسعة تضم مختلف مكونات الطيف السياسي والوطني.
هذا التحالف الوطني، إن كتب له النور، سيمثل مظلة وطنية جامعة تتجاوز ثنائية التفرد، وتضمن لحركة حماس وقوى المقاومة حصد فوز مريح وتفويض شعبي عارم.
إن الشارع الفلسطيني، الذي شاهد دماء أبنائه تسيل دفاعًا عن القدس والأرض، لن يمنح صوته إلا لمن ثبت في الميدان. وبدلًا من أن تُحاصر حماس سياسيًا، ستجد نفسها في صدارة المشهد البرلماني والمؤسساتي كقوة مقررة عبر شركائها الوطنيين، ما يكرس شرعية المقاومة في قلب النظام السياسي الرسمي.
السيناريو الثاني:
أما السيناريو الأرجح في حسابات الكثير من المراقبين، بالنظر إلى العقبات الإسرائيلية والتعقيدات الداخلية، فهو ألا تحدث الانتخابات أو يتم تعطيلها. وفي هذه الحالة، لن تكون "حماس" خاسرة، بل تكون قد حققت نصرًا استراتيجيًا من نوع آخر تمثل في "الاستنهاض التنظيمي والمؤسساتي".
وهنا، قد نجحت حماس، رغم شراسة القصف وحملات الاغتيالات واستهداف البنى التحتية والكوادر، في إعادة ترتيب صفوفها، وتجديد دماء هيئاتها، والحفاظ على تماسك تنظيمها الداخلي بفضل صلابة بنيتها الحديدية.
إن مجرد خوض النقاشات والاستعدادات الداخلية للانتخابات شكّل محفزًا تنظيميًا كبيرًا أدى إلى تفعيل طاقات الكوادر والشباب والأطر الحركية. فحتى لو أُجهضت الانتخابات، ستجد الحركة نفسها قد خرجت من أتون الحرب والملاحقة بأعلى درجات الجاهزية والتماسك، معززة حضورها الشعبي كممثل أصيل لا يمكن تهميشه أو كسر شوكته.
وفي هذا السياق، لم تعد الشراكة والتوافق مجرد شعارات تُطرح للاستهلاك السياسي، بل يفرضهما واقع صلب وفيض التضحيات في غزة، ليكونا الإطار الحاكم لأي مرحلة قادمة، وليمنعا العودة إلى مربع التفرد بالقرار، محصنين بذلك المشروع الوطني في مواجهة اختبارات ما بعد الحرب.
وأخيرًا، إن دعوة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس للانتخابات تضع النظام السياسي الفلسطيني أمام محطة اختبار كبرى. وبعيدًا عن النوايا والرهانات المرتبطة بإتمامها أو تعطيلها، تستند حركة "حماس" إلى قواعد راسخة في الشارع الغزي والفلسطيني العميق، تجعلها رابحة في كلا الخيارين: فوز ديمقراطي عبر صناديق الاقتراع والتحالف الوطني الواسع إن فُتح الباب لذلك، وانتصار ميداني وتنظيمي من خلال إفشال مخططات الإبادة والاغتيال عبر استنهاض الكوادر والحفاظ على حيوية التنظيم إن أُغلقت الأبواب وبقي الحال على ما هو عليه.

