فلسطين أون لاين

شرطة غزة تتحدى الإبادة

تتوالى فصول المأساة والإجرام في قطاع غزة، لتكشف يوما بعد يوم عن إستراتيجية الاحتلال الممنهجة الرامية إلى تفكيك مقومات الحياة المدنية وهدم البنية الاجتماعية والبشرية للقطاع.

ولم يكن استهداف الكوادر الأمنية والشرطية بمعزل عن هذا المخطط، بل جاء متوافقا مع سلسلة من الاغتيالات والاعتداءات المتكررة التي تطال كل من يحمل على عاتقه مسؤولية تنظيم حياة المواطنين وحماية النسيج الاجتماعي.

وكان آخر هذه الجوانب المؤلمة اغتيال محافظ الشرطة في غزة العقيد جمال أبو كميل، في جريمة جديدة تثبت زيف الادعاءات الإعلامية والحديث المزعوم عن تهدئة لمدة أسبوعين. فهذه "التهدئة المزعومة" لم تكن سوى غطاء لجرائم غادرة ترتكب في الظلام والعلن على حد سواء، وتستهدف قادة ميدانيين ووطنيين هم صمام الأمان في مواجهة الفوضى وحفظ السلم الأهلي، ولا سيما في ظروف إنسانية وأمنية بالغة التعقيد والخطورة.

لقد مر على قطاع غزة قرابة الثلاثة أعوام من الحرب المدمرة، وهي مدة كفيلة وفقا لكل الحسابات العسكرية والمنطقية البحتة بأن تنهي أي جهاز شرطي أو أمني، خصوصا في واقع كارثي يفتقر لأدنى مقومات البقاء، فأبناء جهاز الشرطة لم يتلقوا رواتبهم بانتظام منذ سنوات طويلة، ويعيشون وأسرهم تحت وطأة النزوح والقصف والجوع والدمار الشامل.

وعلى الرغم من كل هذه الظروف القاسية التي تفوق طاقة البشر، لا يزال عناصر وضباط الشرطة الفلسطينية يرتدون بزاتهم الرسمية أو ما تيسر منها ويقفون على مفترقات الطرق وفي الأسواق ومراكز الإيواء والمخيمات لخدمة المواطنين وحماية الجبهة الداخلية. إن هذا الصمود ليس مجرد أداء وظيفي تقليدي، بل هو عقيدة وطنية راسخة وإيمان مطلق بأن حماية المواطن الفلسطيني وحفظ أمنه هما جزء لا يتجزأ من معركة البقاء والصمود على هذه الأرض.

إن الاحتلال يدرك تماما أن غياب الشرطة يعني الفوضى والفلتان، لذلك يتعمد استهداف كوادرها بشكل ممنهج، في محاولة يائسة لضرب الحاضنة الشعبية وتفتيت النسيج الاجتماعي من الداخل. فالعقيد جمال أبو كميل ومن قبله المئات من الشهداء من أبناء الأجهزة الأمنية والشرطية، قضوا وهم يؤدون واجبهم الإنساني والوطني في تنظيم حركة المرور، وتأمين المساعدات الشحيحة، ومنع احتكار السلع، وحماية الممتلكات العامة والخاصة.

إن هذه الدماء الزكية التي تسفك على أيدي الاحتلال تؤكد مجددا أن شرطة غزة ليست مجرد تشكيل أمني طارئ، بل هي جزء أصيل من نبض الشارع الفلسطيني. وما دام هؤلاء الأبطال يواصلون أداء رسالتهم بلا مقابل مادي وبلا إمكانيات، فإنهم يكتبون بدمائهم وصمودهم ملحمة وطنية خالدة تفشل كل مخططات التهجير والانهيار المجتمعي.

إن الواجب الوطني والإنساني يحتم على الجميع إدانة هذه الجرائم المستمرة بحق قادة وكوادر الشرطة الفلسطينية في غزة، وتسليط الضوء على بطولاتهم الصامتة التي تبقي شمعة الأمل مضاءة وسط ظلام الحرب الدامس.

المصدر / فلسطين أون لاين