فلسطين أون لاين

طب الأسنان في غزة.. العيادات "تحتضر"

...
عيادات الأسنان باتت غير قادرة على تقديم أدنى خدماتها نتيجة القيود الإسرائيلية على لوازم وأدوات طبية (أرشيف)
غزة/ محمد عيد:

لا تبدو خدمة طب الفم والأسنان في حال جيدة بعد نحو ثلاث سنوات من الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة أسوة بخدمات أخرى تعمد جيش الاحتلال تدميرها أو محاصرتها وصولا لمرحلة انهيار المنظومة الصحية الشاملة.

نتيجة لذلك، باتت عيادات الأسنان الخاصة أو الأهلية أو الحكومية غير قادرة على تقديم أدنى خدماتها، نتيجة قيود إسرائيلية مشددة على لوازم وأدوات طبية بالتزامن مع ارتفاع أعداد المرضى بمشكلات الفم والأسنان نتيجة ظروف صحية وغذائية أدت إلى تآكل صحة الأسنان.

يصف أطباء الأسنان الذين يعملون في المهنة منذ عقود طويلة، الأوضاع الراهنة بـ"غير المسبوقة" ودفعهم ذلك إلى القول لصحيفة "فلسطين" إن "العيادات تحتضر" بعد فقدان غالبية أو جميع اللوازم الأساسية للعلاج.

وبدت واضحة تداعيات الأمر، خلال جولة مراسل صحيفة "فلسطين" على عيادات طب الفم والأسنان التي خلت قاعات انتظارها الخارجية من المرضى والمراجعين سوى بعض "الحالات الطارئة" أو الاستفسارية.

عزا طبيب الفم والأسنان عبد الرحمن العطاونة الأمر إلى انعدام لوازم العلاج بصورة "شبه كاملة" داخل القطاع، مشيرًا إلى أن ما يتوفر منها لا يكفي لتلبية احتياجات العيادات، فضلًا عن ارتفاع أسعاره بصورة باهظة، بما لا يتناسب مع ظروف المواطنين ولا يدعم استدامة عمل خدمة صحية شاملة.

وقال: "نتحدث عن انقطاع المستلزمات والأدوات العلاجية بصورة نهائية .. نحن أمام ظروف صعبة ومقعدة"، مشيرا إلى أن عيادته تفتح أبوابها للحالات الطارئة أو المتابعة العلاجية فقط. 

بصورة تفصيلية، يشرح الطبيب ذو العقد الخامس من عمره، داخل عيادته التي خلت من المرضى والمراجعين عن حاجتها لـ: حشوات مؤقتة، حشوات ليزر، قطن وشاش طبي للأسنان، مبارد يدوية وآلية، توربينات وزيت توربينات، سنابل تحضيرية ومستلزمات عديدة غير متوفرة داخل غزة.

العطاونة شرح باستفاضة: "إذا توفرت بعض المستلزمات تكون مقابل مالية باهظة وهو ما لا يتناسب مع ظروف المواطنين" بعد ثلاثة أعوام من الإبادة الجماعية على غزة.

تحدث أيضا عن توقف بعض الخدمات العلاجية الأخرى منذ شهور عديدة كـ"التقويم" و"التلبيسات"؛ نظرا لانعدام مستلزماتها بشكل كامل.

في أثناء حديثه، حضر المريض محمد النقلة (43 عاما) لعيادته؛ لألم في أسنانه، تبين بعد الفحص الطبي أنه بحاجة لـ"حشوة عصب" تقدر تكلفة علاجها حاليا بـ 350 شيقلا (110 دولارات) بعدما كانت تقدر تكلفتها قبل الحرب 70 أو 100 شيقل (30 دولارا).

على الفور، رفض الأب لأربعة أبناء الخضوع لجلسة علاجية، واكتفى بالطلب من الطبيب ترشيح نوع من الدواء (المسكن) للتعايش مع آلام أسنانه "حتى يتغير الحال".

في عيادة أخرى، راقب مراسل صحيفة "فلسطين" حوار الطبيب محمد الحاج مع مريضه حسام مزهر (48 عاما) الذي اضطر الأخير لاختيار "خلع الضرس" بدلا من دفع تكلفة علاجية رأها "مرتفعة الثمن".

واستدل الحاج بأبسط مثال كـ"الخلع" إذ تحتاج عيادات الأسنان للقطن والشاش الطبي وهو ما لا يتوفر داخل غزة.

يقول إن العديد من المرضى يرغمون على "الخلع" كحالة اضطرارية بدلا من "علاج الحشوات" مرتفع الثمن في الوقت الراهن، فيما يتجاهل الكثير الحالة الصحية لأسنانهم نظرا للظروف الصحية المعقدة.

يصف الحال بـ"الكارثي"، ويضيف الحاج: "(إسرائيل) تمارس إبادة صحية ممنهجة شملت جميع مجالات المنظومة الصحية" في غزة المدمرة والمنهكة بالأزمات الحياتية والتعليمية والمعيشية والاقتصادية وغيرهما.

تكرارا، تقول وزارة الصحة في غزة إن الأوضاع الصحية في القطاع تشهد انهيارا شبه كامل رغم اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، إذ يعمل نحو 16 مستشفى فقط من أصل 38 وبقدرات محدودة، في ظل تدمير واسع طال المستشفيات ومراكز الإسعاف ومحطات الأكسجين.

وتعمل أقسام العناية المركزة فوق طاقتها، فيما يعاني القطاع من نقص حاد في أكثر من 50% من الأدوية الأساسية و57% من المستلزمات الطبية.

إبادة صحية

بحسب نقيب أطباء الأسنان في غزة د. عرفان اشتيوي فإن خدمة طب الفم والأسنان تشهد "إبادة صحية مقصودة" كغيرها من خدمات المنظومة الصحية في القطاع.

استعرض اشتيوي في حديثه لصحيفة "فلسطين" جهود النقابة في مراسلة مؤسسات صحية ودولية، للحيلولة دون انهيار خدمة طب الفم والأسنان، لكن دون نتائج ملموسة أو عملية.

وأفاد بورود النقابة بلاغات يومية من أطباء عاملين في غزة بإغلاق عياداتهم أو فتحها جزئيا لتقديم علاجات "اضطرارية" وسط الظروف الصحية الكارثية.

وحث الأطباء على محاولة تقديم الحد الأدنى من الخدمات الصحية للمواطنين، داعيًا المؤسسات الأممية والصحية إلى الوقوف على مسؤولياتها والعمل على إنقاذ خدمة طب الأسنان في غزة.

وأكد نقيب الأطباء حق المواطن في تلقى العلاج والخدمة الصحية الشاملة.

وتأتي هذه العراقيل بعد دمار إسرائيلي طال 80 بالمائة من عيادات الأسنان في القطاع كليا وجزئيا، عدا عن عراقيل أخرى كانعدام الكهرباء والمياه ومواد التعقيم إلى جانب ارتقاء أكثر من 100 طبيب خلال الإبادة الجماعية.

المصدر / فلسطين أون لاين