فلسطين أون لاين

غزة بعد ثلاث سنوات.. من الردع بالنار إلى غياب السيطرة بالقدم

قراءة تحليلية في حدود القدرة "الإسرائيلية" على اختراق الأرض الفلسطينية ميدانيًا

تدخل الحرب على غزة عامها الثالث وسط هدنة تحمل كل ملامح الهشاشة أكثر مما تحمل ملامح الاستقرار؛ فبين تصريحات وزير جيش الاحتلال الإسرائيلي يسرائيل كاتس عن رفض الانسحاب قبل نزع سلاح حماس وتدمير الأنفاق، وبين الحديث عن منطقة أمنية غير مسبوقة ستبقى داخل القطاع حتى بعد أي تسوية، تتكشف ملامح مشروع أوسع لا يكتفي بإنهاء الحرب بل يسعى لإعادة صياغة قواعد الاشتباك في غزة على نمط أقرب لما كان سائدًا قبل عام 2012، حين كانت الساحة مفتوحة أمام الاغتيالات والتوغلات "الإسرائيلية" دون كوابح تُذكر.

وقد ترافق ذلك، بالتوازي، مع توسع استيطاني متجدد في الضفة الغربية، بما يعزز قراءة تحليلية —يتبناها بشكل خاص التيار الاستيطاني الديني داخل الائتلاف الحاكم أكثر من الخطاب الرسمي لرئيس الحكومة —مفادها أن ما يجري هو إعادة ترسيم شامل للمجال الفلسطيني لا مجرد عملية أمنية محدودة.

لكن خلف هذا الخطاب، وخلف حملة الاغتيالات الجوية التي لم تتوقف رغم الهدنة (أكثر من 1300 فلسطيني استشهدوا منذ إعلانها في أكتوبر الماضي، مقابل بعض الجنود "الإسرائيليين" فقط)، يبرز سؤال أكثر دقة وأهمية من سؤال (من يقتل أكثر): هل تملك "إسرائيل" فعليًا سيطرة أمنية ميدانية على غزة، أم أنها تمارس هيمنة نارية عن بُعد فقط؟ حادثة صباح الأول من سبتمبر 2026، حين اضطرت قوة "إسرائيلية" خاصة حاولت التسلل لأحد أحياء مدينة غزة إلى الانسحاب تحت غطاء عشرات الطلعات الجوية بعد انكشافها، تفتح هذا الملف على مصراعيه.

أولًا: التمييز الضروري بين (دقة الاستهداف) و(الاختراق الاستخباراتي):

كثيرًا ما تُقرأ الاغتيالات "الإسرائيلية" المتكررة والدقيقة لقيادات الفصائل باعتبارها دليلًا على اختراق استخباراتي عميق داخل بنية المقاومة، هذه القراءة تحتاج تفكيكًا؛ فما يُشغّل آلة الاستهداف "الإسرائيلية" اليوم -عبر منظومات معروفة مثل (لافندر) و(الإنجيل) و(نيمبوس)- هو في جوهره عملية أرشفة ومطابقة بيانات لا شبكة تجسس بشرية حية: سجل سكاني مدني لغزة تحتفظ "إسرائيل" بأصوله منذ ترتيبات الإدارة المدنية لمرحلة ما بعد أوسلو (وما يُعرف بالهوية الخضراء الصادرة "إسرائيليًا" أصلًا)، مقترنًا بأرشيف ضخم من الهواتف والوثائق التي وقعت بيد جيش الاحتلال خلال أكثر من عامين من التوغل البري، وبمطابقة بصرية لصور مقتحمي الغلاف في السابع من أكتوبر.

يُضاف إلى ذلك تقنيات تنصت مدعومة بالذكاء الاصطناعي وأجهزة تعقب زُرعت في مناطق من القطاع أثناء التوغلات البرية، رغم كشف المقاومة عددًا منها.

هذا (إنجاز بيانات وخوارزمية) يختلف جوهريًا عن اختراق حي لخلايا المقاومة العاملة؛ فهو يفسر كيف تُصيب "إسرائيل" أهدافًا بدقة من الجو، لكنه لا يفسر بالضرورة قدرتها عن الحركة الحرة على الأرض.

ثانيًا: تعريف السيطرة الأمنية الذي يُغيَّب عمدًا:

يخلط الخطاب "الإسرائيلي"، وأحيانًا التغطية الإعلامية الدولية، بين (القدرة على القتل عن بُعد) و(السيطرة الأمنية)، هذان مفهومان مختلفان جوهريًا؛ فالسيطرة الأمنية الفعلية، بمعناها العملياتي الدقيق، تعني قدرة القوة على الحركة في أي وقت وأي مكان دون عائق يُعتد به، لا مجرد القدرة على توجيه ضربة جوية أو تجنيد عميل لجمع معلومة، ووفق هذا المعيار، فإن الاعتماد شبه الكامل على النار الجوية لتغطية أي محاولة نزول بري، كما جرى في حادثة الأول من سبتمبر، هو في حد ذاته اعتراف عملياتي ضمني بغياب حرية الحركة البرية، لا دليل على وجودها.

ثالثًا: اختبار الزمن، من خان يونس 2018 إلى مدينة غزة 2026:

في 11 نوفمبر 2018، حاولت قوة "إسرائيلية" خاصة التسلل بمركبة مدنية إلى المناطق الشرقية من خان يونس، قبل أن تكشفها خلية أمنية قسامية كان يقودها الشهيد نور الدين بركة، أدى الاشتباك الذي تلا الانكشاف إلى استشهاد بركة و6 من رفاقه، لكنه أسفر أيضًا بحسب اعتراف "إسرائيلي" رسمي وقتها، بما في ذلك تصريح وزير الحرب أفيغدور ليبرمان عن مقتل ضابط إسرائيلي برتبة مقدم وإصابة آخر، واضطرار سلاح الجو للتدخل بكثافة لتأمين انسحاب الناجين.

بعد ثماني سنوات، وبعد نحو ثلاث سنين من حرب إبادة مفتوحة أدت إلى اغتيال شرائح واسعة من القيادة الميدانية والعسكرية للفصائل، وفقدان مساحات واسعة من القطاع لصالح مناطق نفوذ "إسرائيلي" مباشر، وحل حركة حماس للجنة الطوارئ الحكومية في الاشهر الماضية، حيث تكرر النمط التشغيلي ذاته بالتفصيل: تسلل مقنّع، اكتشاف فوري من خلية أمنية محلية، اشتباك، انسحاب اضطراري تحت غطاء جوي مكثف. هذا التطابق البنيوي، رغم الفارق الزمني وحجم الدمار الفاصل بين الحادثتين، مؤشر ذو دلالة: خلايا الإنذار المبكر والرد الأمني السريع على المستوى المحلي لم تُستأصل كليًا رغم كل أدوات التفوق التقني والناري "الإسرائيلي".

غير أن الأمانة التحليلية تفرض تسجيل فارقين جوهريين قبل تعميم النتيجة: الأول أن عملية 2018 جرت وغزة تحت سيطرة إدارية وأمنية متصلة جغرافيًا بلا احتلال بري ولا مناطق عازلة، في حين عملية 2026 جرت في جيب سكاني محدود وسط واقع مختلف كليًا من التفتت الجغرافي والإداري.

والثاني أن رواية حادثة اليوم لا تزال تستند بشكل رئيسي إلى مصادر ميدانية فلسطينية لم يقابلها بعد تأكيد "إسرائيلي" رسمي بالمستوى الذي شهدته حادثة 2018. لذلك فإن الاستنتاج الأدق ليس أن (السيطرة الأمنية الفلسطينية لم تتأثر إطلاقًا)، بل أن مرونة تكتيكية محلية ما تزال قائمة في جيوب معينة، حتى بعد تفكك جزء كبير من البنية المركزية التي كانت تسندها.

الخلاصة: الميزان المركب لا انتصار مطلق:

الصورة الأدق لثلاث سنوات من الحرب ليست “إسرائيل تسيطر أمنيًا على غزة” كما يروَّج، وليست أيضًا “المقاومة لم تتأثر إطلاقًا” كما قد يُستنتج من حادثة واحدة، بل هي واقع مركّب: تفوق ناري واستخباراتي تقني "إسرائيلي" هائل يتيح القتل عن بُعد بدقة عالية، مقابل عجز عملياتي متكرر عن تحقيق حضور بري حر وآمن داخل الكتلة السكانية، تعوّضه "إسرائيل" بغطاء جوي ساحق كلما حاولت، وهذا التمييز بين (الهيمنة الرقابية عن بُعد) و(السيطرة الميدانية المباشرة) هو مربط الفرس في أي قراءة نزيهة لواقع الأمن في غزة اليوم، ومقياس أدق لتقييم نتائج الحرب من ثنائية الفوز والهزيمة المطلقة التي يفرضها الخطاب السياسي لكلا الطرفين.

المصدر / فلسطين أون لاين