فلسطين أون لاين

غزة بين التسوية المؤجلة وصراع الجبهات المتزامن

منذ إعلان “خارطة الطريق” لتنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، بدا المشهد كأنه يسير نحو تسوية تدريجية منضبطة برعاية “مجلس السلام” الذي يقوده دونالد ترامب، غير أن تطورات الأسبوعين الأخيرين تكشف بنية مختلفة تمامًا: تسوية مُعلّقة بفعل تقاطع ثلاثة صراعات متزامنة (إعادة تموضع تفاوضي داخل حماس، وانقسام مؤسسي داخل الحكومة "الإسرائيلية"، وانشغال أمريكي بجبهة إقليمية أكثر إلحاحًا) هذا التقاطع، لا نص الاتفاق نفسه، هو ما يحدد اليوم مصير المرحلة الثانية.

أولًا: استمرارية القيادة التفاوضية لا اختبار شرعية جديد
توجّه خليل الحية إلى القاهرة في أول زيارة يجريها بصفته رئيسًا للمكتب السياسي لحماس منذ توليه المنصب أواخر يوليو، لكن الدلالة هنا ليست دلالة بداية عهد بقدر ما هي استمرارية؛ فالحية هو المسؤول عن ملف المفاوضات ورئيس الوفد الفلسطيني المفاوض منذ بداية الحرب، وتوليه رئاسة المكتب السياسي لم يُدخله على خط تفاوضي جديد بقدر ما أضاف إلى موقعه التفاوضي الثابت غطاءً تنظيميًا أعلى.
بمعنى آخر: ما يُختبر في زيارة القاهرة ليس قدرته على إثبات نفسه في ملف جديد، بل قدرته على تحويل موقعه التنظيمي الأعلى إلى ثقل تفاوضي أكبر في مواجهة التعنت الإسرائيلي وهذا فارق جوهري بين استمرارية مُعزَّزة وبين اختبار شرعية مستحدث.

اللافت أن مصادر الحركة نقلت رسالة أمريكية واضحة مفادها أن الوسطاء أبلغوا حماس أن الإدارة الأمريكية جادة في الوصول إلى حل حتى لو أغضب ذلك نتنياهو، وأن ما اتُّفق عليه سيمضي دون تغيير. هذه الرسالة، إن صحّت، تضع حماس أمام معضلة استراتيجية حيث إن الرهان على ضمانة أمريكية غير مُختبرة أمام حكومة "إسرائيلية" تُظهر يوميًا أنها غير ملتزمة بها، كما أن اجتماع الحية مع قادة الفصائل في القاهرة عكس هذا القلق حين حمّل الاحتلال مسؤولية تعطيل خارطة الطريق والتنصل من التزامات المرحلة الأولى، ودعا إلى خطوات جادة لترتيب البيت الفلسطيني، وهي صياغة تكشف أن حماس تستعد لسيناريو تعثر طويل الأمد لا لتسوية وشيكة.

ثانيًا: الشرخ المؤسسي داخل "إسرائيل":
الزاوية الأكثر دلالة تحليليًا ليست رفض نتنياهو العلني لوثيقة النقاط الـ15، بل ما كشفه اجتماع الكابينت من انقسام داخل جهاز صنع القرار "الإسرائيلي" نفسه؛ فبينما طالب بعض الوزراء باستئناف العمليات العسكرية، طالب آخرون بإعلان موقف رسمي معارض للمرحلة الثانية بأكملها -أي أن الخلاف لم يعد حول تفاصيل التنفيذ بل حول مبدأ الاستمرار في المسار التفاوضي أصلًا- الأخطر من ذلك تحذير رئيس جهاز الشاباك للوزراء من أن توقيع حماس على الاتفاق قد يكون جزءًا من عملية خداع استراتيجي هدفها ضمان عدم عودة "إسرائيل" للعمل العسكري في غزة حتى موعد الانتخابات.

هذا التحذير الاستخباراتي يستحق وقفة؛ فهو يُعيد تأطير الاتفاق بأكمله — لا كتسوية سياسية بل كأداة تكتيكية في معركة توقيت انتخابية داخلية "إسرائيلية"، وحين يضاف إليه تصريح نتنياهو الحاسم بأنه طالما هو رئيس الوزراء فلن تقوم دولة فلسطينية لا في غزة ولا في الضفة، يتضح أن المرحلة الثانية تُدار "إسرائيليًا" كإجراء أمني مؤقت مُفرغ من أي أفق سياسي، لا كخطوة نحو تسوية نهائية. الفجوة هنا ليست بين "إسرائيل" وحماس فحسب، بل بين نتنياهو والإدارة الأمريكية ذاتها، التي وصفها مسؤول إسرائيلي بأن فريق نتنياهو لم يوافق على المسودة التي أرسلها فريق ترامب وأعاد عليها ملاحظاته.

ثالثًا: انشغال أمريكي بجبهتين متوازيتين:
المفارقة الأهم في المشهد الحالي أن الإدارة الأمريكية، في اللحظة ذاتها التي تطالب فيها "إسرائيل" بضبط النفس في غزة، تُدير مواجهة عسكرية متجددة مع إيران: إعادة فرض الحصار البحري، وتغيير مسار عشرات السفن التجارية في إطار التحقق من الامتثال له، وتصعيد في مضيق هرمز وصفه نائب الرئيس الأمريكي بأنه (مرحلة جديدة من الصراع).

وهنا يمكن الاستعانة بمنطق الواقعية الهجومية عند ميرشايمر: عندما تُواجه القوة العظمى تهديدًا مباشرًا لمصالحها الاستراتيجية الكبرى (هرمز، الملاحة، الردع الإقليمي لإيران)، فإن الملفات الثانوية ومنها الملف الفلسطيني تتحول تلقائيًا إلى أدوات لإدارة التوازن الإقليمي الأشمل، لا غايات بذاتها.

بمعنى آخر: الضغط الأمريكي المعلن على نتنياهو ليس التزامًا أخلاقيًا أو سياسيًا بتنفيذ الاتفاق، بل وظيفة تكتيكية ضمن حسابات أوسع تتطلب تجنّب انفجار جبهة ثانية مع تصاعد المواجهة الإيرانية.

هذا التفسير يتقوى بما يجري في سوريا ولبنان في التوقيت ذاته: ضربات "إسرائيلية" على قاعدة جوية سورية أثارت إدانة تركية ودفعت المبعوث الأمريكي توم باراك لوصفها بتصعيد غير ضروري، فيما تعمل واشنطن على آلية لمنع الاشتباك بين تركيا و"إسرائيل" وسوريا — أي أن واشنطن تُدير الآن شبكة من التوترات المتشابكة (إيران، سوريا، تركيا، لبنان، غزة) تتطلب كلها انتباهًا متزامنًا يُضعف قدرتها على ممارسة ضغط حاسم في أي جبهة بمفردها. وفي لبنان، استشهاد 11 شخصًا بينهم أطفال في غارات "إسرائيلية" على الجنوب، ودعوة حزب الله لوقف المفاوضات التي تقودها بيروت مع "إسرائيل"، يؤكدان أن منطق التصعيد المتعدد الجبهات لم يعد احتمالًا بل واقعًا قائمًا.

الخلاصة: منطق الجبهات المتزامنة: 
ما يجمع هذه المسارات الأربعة ليس التنسيق، بل التزامن البنيوي حيث إدارة أمريكية مشغولة بمواجهة إيرانية متجددة تتعامل مع الملف الفلسطيني كأداة تفاوضية مؤجّلة لا أولوية استراتيجية، وحكومة "إسرائيلية" منقسمة داخليًا تستغل هذا الانشغال لتجميد المرحلة الثانية فعليًا رغم قبولها الشكلي بمبدأ التفاوض، وقيادة تفاوضية حمساوية تراهن على ضمانات أمريكية لم تُختبر بعد أمام واقع ميداني يكذّبها يوميًا.

النتيجة العملية: حالة من الشلل السياسي المتبادل في كل ملف على حدة، تُترجم ميدانيًا إلى استمرار السيطرة "الإسرائيلية" الفعلية على أكثر من 60% من قطاع غزة، وتسارع منهجي في ضم الضفة الغربية يسبق أي أفق تفاوضي جاد؛ فالسؤال الحقيقي اليوم ليس هل ستنجح المرحلة الثانية، بل: كم من الوقت يمكن أن يُشترى بهذا التجميد قبل أن تفرض إحدى الجبهات — الإيرانية أو الميدانية الفلسطينية — إعادة ترتيب الأولويات بالقوة؟

المصدر / فلسطين أون لاين