فلسطين أون لاين

المقدم مهدي العقاد.. سند العائلة وناصر المظلومين الذي اغتالته (إسرائيل)

...
المقدم مهدي العقاد
خان يونس/ تامر قشطة:

لم يكن مدير شرطة محافظة خان يونس، جنوبي قطاع غزة، المقدم مهدي محمد العقاد، يتخيل أن البيت الذي لجأت إليه أسرته بحثًا عن الأمان، سيصبح مكانًا لفقدانها جميعًا.

فالرجل الذي عُرف بين أفراد عائلته وزملائه بمساندة الناس والوقوف إلى جانب من يراه مظلومًا، استشهد خلال حرب الإبادة الجماعية برفقة زوجته وابنه محمد، وثلاث من بنات شقيقه وأطفال إحداهن، في مأساة أودت بحياة تسعة أفراد كانوا يحتمون في منزل واحد.

وكان العقاد (44 عامًا) قد أمضى سنوات عمره في العمل الشرطي، قبل أن يتولى مسؤولية إدارة شرطة مدينة خان يونس، في الفترة التي سبقت اندلاع الحرب في أكتوبر/ تشرين الأول ٢٠٢٣.

لكن صورته في ذاكرة عائلته لا تختصرها الرتبة العسكرية ولا الموقع الوظيفي؛ إذ تتحدث شقيقته نعمة عن رجل كان يرى أن خدمة الناس تبدأ من الاستماع إليهم، وأن الحق لا يرتبط بقرابة أو نفوذ.

تقول نعمة لصحيفة "فلسطين": إن "شقيقها كان طيبًا جدًا ومتواضعًا مع الكبير والصغير، وإن سمعته بين الناس كانت طيبة"، مشيرة إلى أنه كان يحرص على مساعدة من يلجأ إليه، خصوصًا من يشعر أنه تعرض للظلم.

"الصح صح والغلط غلط"

في عمله الشرطي، كان مهدي يحرص، وفق رواية شقيقته، على الاستماع إلى أطراف أي مشكلة قبل اتخاذ أي موقف، ولم يكن يرى أن القرابة تمنح صاحبها حقًا إضافيًا، ولم يتردد في الوقوف مع من يراه صاحب حق حتى لو كان الطرف الآخر قريبًا منه.

تقول نعمة أيضًا: إن شقيقها كان يؤمن بأن "الصح صح والغلط غلط"، ولم يميز بين الناس على أساس القرابة، بل كان يحاول أن يصل إلى الحقيقة قبل أن يحدد موقفه.

هذه الصورة بقيت حاضرة في ذاكرة أسرته، التي رأت في عمله امتدادًا لشخصيته؛ رجل يفضل مساعدة الآخرين بعيدًا عن الأضواء، ويعتبر الوقوف إلى جانب الناس واجبًا لا مناسبة للتفاخر.

التحق مهدي العقاد بجهاز الشرطة الفلسطينية عام 2007، بحسب شقيقته، بعد أن أنهى دراسته الجامعية تخصص "الخدمة الاجتماعية" في جامعة القدس المفتوحة.

وتدرج في عمله حتى وصل إلى رتبة مقدم، في حين لم يمض سوى أقل من عام على توليه إدارة شرطة خان يونس، عندما اندلعت الحرب.

ومع اتساع عمليات الإبادة الجماعية والنزوح وتدمير المنازل، اضطر العقاد إلى مغادرة منزله واللجوء إلى منزل شقيقه بمنطقة الأوروبي جنوبي شرق قطاع غزة، بحثًا عن مكان أكثر أمنًا. وهناك، اجتمعت أسرته مع أفراد من عائلته قبل أن تطال غارة إسرائيلية المنزل وتختطف حياة تسعة أشخاص.

كان من بين الشهداء مهدي وزوجته وابنه محمد، إلى جانب ثلاث من بنات شقيقه، وإحدى البنات كانت متزوجة وبرفقتها أطفالها، ولدان وبنت.

حياته الاجتماعية

بعيدًا عن الزي العسكري، تحتفظ الأسرة بذكريات رجل كان يرى في العائلة مساحة للفرح والاحتواء.

كان مهدي، بحسب شقيقته، يحب قضاء الوقت مع أبناء إخوته، ويجمع الأطفال في الرحلات العائلية ليلعب معهم كرة القدم. وكان يحرص على أن تكون الأسرة مجتمعة في المناسبات والرحلات، سواء في البحر أو في أماكن الاستجمام أو على موائد الطعام.

ولم تكن العزائم بالنسبة إليه مجرد تجمعات عائلية، بل فرصة للاهتمام بأفراد الأسرة لاسيما كبار السن الذين يصعب عليهم التنقل وفق نعمة.

تروي شقيقته أنه كان أحيانًا يتكفل بإحضار الطعام إلى مكان اجتماع العائلة، بدلاً من مطالبة كبار السن بالخروج والصعود إلى أماكن يصعب عليهم الوصول إليها.

وكان للعبادة حضور في حياته اليومية أيضًا، إذ تقول شقيقته: إنه كان يحافظ على ورد يومي من القرآن.

برهُ بوالده

من أكثر المواقف التي تستعيدها نعمة العقاد، علاقة شقيقها بوالده.

عندما مرض والده وأجرى عملية في الغضروف، كان مهدي من أوائل الذين رافقوه إلى المستشفى. بقي إلى جانبه منذ بداية العملية وحتى انتهائها، وعندما عرض أحد الأشخاص أن يتولى المبيت مع الوالد، رفض مهدي أن يتركه.

تقول نعمة: إن شقيقها قال له، بمعنى واضح: "هذا أبوي، أنا بدي أقعد عند أبوي".

وبالفعل، بقي مهدي إلى جانب والده، يساعده في الحركة والعناية بجرحه، ويرافقه حتى عاد إلى المنزل.

بالنسبة إلى أسرته، لم يكن هذا الموقف استثناءً؛ بل نموذجًا لعلاقته بوالديه وإخوته، ودوره الذي تجاوز كونه شقيقًا إلى أن أصبح مع مرور السنوات، أحد أهم أركان الأسرة وسندها.

سندٌ غاب فجأة

وبعد استشهاد مهدي، لم تفقد العائلة فردًا واحدًا فحسب، بل فقدت الشخص الذي اعتاد الجميع اللجوء إليه في أوقات الحاجة، وفق نعمة، مضيفة: "إحنا فقدنا كل شيء، فقدنا السند".

كان مهدي بالنسبة إلى إخوته وأسرته الشخص الذي يعرف كيف يتصرف في المواقف الصعبة، والذي يمكن الاتصال به عندما تواجه أحد أفراد العائلة مشكلة.

وتشير إلى أن أحد أقارب الأسرة، عندما علم بخبر استشهاده، عبّر عن حجم المصاب بالقول إن "ظهركم انكسر".

ذلك الانكسار لم يكن بسبب غياب أخ أو ابن فحسب، بل بسبب فقدان شخص كان حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية للعائلة.

شرطي وعائلة تحت الحرب

رحل مهدي العقاد بعدما عاش سنواته الأخيرة، حيث توزعت أعباء الحرب بين تحمل مسؤولية عمله الأمني، ومحاولاته المستمرة لحماية أسرته.

كان يحمل رتبة مقدم ويدير شرطة مدينة عاشت واحدة من أكثر مراحلها قسوة، لكنه في الوقت نفسه كان أبًا لولدين، وزوجًا، وأخًا، وابنًا بارًا بوالديه، وعمًّا قريبًا من أبناء إخوته.

وعندما بحث عن ملاذ لأسرته خلال الحرب، لم يجد المكان الذي احتمى به بعيدًا عن الخطر.

تقول نعمة: إن مأساة استشهاد شقيقها وعائلته لا يمكن فصلها عن مأساة آلاف الأسر في قطاع غزة، التي وجدت نفسها خلال الحرب أمام النزوح والخوف وفقدان المنازل والأحبة.

وتوجه رسالتها إلى العالم قائلة: إن العائلات الفلسطينية تريد قبل كل شيء أن تعيش بأمان، متسائلة عن جدوى استمرار الحرب وهي تقترب من نهاية عامها الثالث دون أفق لنهاية الإبادة.

لكن بين الركام والذكريات، تبقى سيرة مهدي العقاد بالنسبة لعائلته مختلفة عن صورة الشهيد في الأخبار.

تصفه شقيقته بالرجل الذي كان يسمع للناس، ويقف مع من يراه مظلومًا، ولا يفرق بين قريب وغريب عندما يتعلق الأمر بالحق؛ والأخ الذي كان سندًا لعائلته، والابن الذي لم يترك والده في مرضه، والأب الذي لم يكتب له أن يرى أبناءه يكبرون.

رحل المقدم مهدي العقاد وزوجته وابنه وأفراد من عائلته في منزل ظنوا أنه سيكون ملاذًا مؤقتًا من الحرب، لكن ذكراه بقيت في قلوب من عرفوه باعتباره رجلاً جعل من خدمة الناس جزءًا من حياته، ومن عائلته وطنه الصغير الذي ظل يحاول حمايته حتى اللحظة الأخيرة.

المصدر / فلسطين أون لاين