في حي تل الهوا جنوب غرب مدينة غزة، كانت الحرب الإسرائيلية غير المسبوقة تدخل أسبوعها الثاني، وقد بدأ الدمار يغيّر ملامح المنطقة شيئًا فشيئًا ويشرّد سكانها قسرًا، لكن هناك، تشبّث القاضي فهمي النجار وزوجته القاضية فاطمة المخللاتي بالبقاء.
تحت النار، كانا مع عائلتهما يواجهان تغييب معالم الحياة بصناعة أسبابها؛ يمدّان الجيران بالكهرباء والمياه، ويساعدانهم على البقاء في بيوتهم التي أمرهم الاحتلال بإخلائها. تستعيد ابنتهما الطبيبة علا موقفهما: "كانا يريان في بقائهما تثبيتًا لمن حولهما"، ولم يعرفا أن البيت الذي أرادا أن يكون عنوانًا للصمود سيصبح بعد أيام قليلة قبرًا للعائلة كلها.
في الطابق الأول كان الأبوان، وفي الثاني ابنهما محمد وزوجته حنين وأطفالهما الستة، وفي الثالث ابنهما فراس وزوجته سماح وأطفالهما الأربعة. 16 شخصًا تحت سقف واحد. لم ينجُ منهم أحد.
كان البيت يحمل إرثًا قانونيًا امتد عبر جيلين؛ فهمي وفاطمة في القضاء، ومحمد في المحاماة، وحنين، زوجة محمد، حاصلة على بكالوريوس في الشريعة والقانون.
بيت لا يعرف المحاباة
بدأ فهمي النجار حياته محاميًا، ثم أصبح وكيل نيابة، قبل أن ينتقل إلى القضاء ويتدرج في سلكه حتى بلغ أعلى درجة، ويتقاعد في السبعين.
في عام 1989، اعتقلته قوات الاحتلال وأمضى سنتين في الأسر، وفقد وظيفته بسبب ذلك. لكنه عاد بعدها إلى العمل وكيلًا للنيابة، ثم استأنف طريقه في القضاء.
كان في الرابعة والسبعين حين استشهد. تقول الأربعينية علا لـ"فلسطين" إن والدها كان شديد التعلق بعمله، ويتردد على محاكم قطاع غزة المختلفة. وحتى بعد تقاعده، بقي الناس يعودون إليه؛ فكان كبير عائلته في المشورة، وقصدَه القضاة والمحامون لخبرته.
لكن علا تستعيد أباها من مكان آخر أيضًا. كان حافظًا للقرآن، حصل على السند، ويؤذن في المسجد، ويحافظ على صلاته. وبين العصر والمغرب، كان يعود إلى بيته، يفتح مصحفه ويقرأ.
أما فاطمة المخللاتي، فكانت قد قطعت هي الأخرى رحلة طويلة في القانون. عملت محامية نحو 30 عامًا، ثم أصبحت قاضية عام 2008، وتدرجت في السلك القضائي حتى وصلت إلى المحكمة العليا، قبل أن تتقاعد في السبعين.
كان القضاء مهنتها، لكنه لم يبقَ داخل المحكمة. كانت تعدل بين بناتها وزوجات أبنائها، ولا تجامل حتى ابنتها إذا أخطأت.
تقول علا: "كانت حادة وعادلة وصادقة مع الجميع، مع البنت والكنة بنفس الطريقة، لا تميل لواحدة على حساب الأخرى".
وحين أُسر زوجها، تحملت مسؤولية الأسرة في غيابه. كما دأبت على زيارة الأسرى في سجون الاحتلال والترافع عنهم أمام المحاكم. ولما أُسر ابنها محمد وهو في السابعة من عمره، وقفت المحامية فاطمة تدافع عنه، قبل أن تعتدي عليها قوات الاحتلال وتضربها.

"لن نغادر"
منذ طفولته، كان محمد قريبًا من عالم القانون. كان يرافق والدته إلى مكتبها، ثم أصبح محاميًا وأنشأ مكتبًا حمل اسم "عدالة".
بلغ الأربعين، وكان مسؤولًا في نقابة المحامين، وراكم سيرة مهنية جعلته شخصية معروفة في الوسط القانوني، حتى نافس على منصب نقيب المحامين.
تزوج حنين الشوا، 32 عامًا، الحاصلة على بكالوريوس في الشريعة والقانون، وأنجبا ستة أطفال: التوأمان فهمي وعمر، 13 عامًا، وعبد الرحمن، 11 عامًا، وفاطمة، 6 أعوام، ويوسف، 4 أعوام، وأنس، عامًا ونصف العام.
وكما رافق محمد والدته في طفولته، ظل بعد أن أصبح محاميًا يعود إلى أبيه؛ ينهل من علمه ويستشيره في القضايا.
لكن القانون بالنسبة إليه كان دافعا وطنيا أيضا.
قبل المجزرة، ظهر في لقاء صحفي يستنكر انتهاكات الاحتلال ويطالب بوقف الحرب. وحين بدأ الاحتلال يرسل رسائل إلى أهالي المنطقة لمغادرتها، كتب محمد على صفحته في فيسبوك: "لن نغادر".
تقول علا إن المنشور لم يكن مجرد كلمات. كان شقيقها يرى أن عليه واجبًا دينيًا ووطنيًا في تثبيت الناس، وأن مكانته وشخصيته العامة تفرضان عليه أن يقول موقفه. "كان شخصية معروفة ومؤثرة، ويجب أن يكون له موقف".

"ابق صامدة"
في 13 أكتوبر/تشرين الأول 2023، كانت علا في منزلها بمدينة غزة وسط منطقة نزح معظم سكانها، فاتصلت بمحمد وأخبرته بما يجري. قال لها: "ابق صامدة، وقوات الاحتلال لن تصل إلينا". احتفظت علا بالكلمات. وفي اليوم التالي، بقيت هي وزوجها وأبناؤهما في مكانهم، بينما ظل محمد وحنين وأطفالهما، وفراس وسماح وأطفالهما، والأب والأم في منزلهم. ثم اقترب المغرب.
"أهلي انقصف بيتهم"
مساء 14 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وصل الخبر إلى علا. اتصلت بها شقيقتها، وكانت نازحة في النصيرات. كان صوتها مختلفًا: "أهلي انقصف بيتهم". لم تصدق علا. قالت: "أنتِ تتحدثين عن أناس آخرين"، لكن شقيقتها أجابتها: "لا، انقصف بيت أهلي".
بدأت العائلة تبحث عن أي خيط ينفي الخبر. اتصلوا بالجيران؛ بعضهم لم يجب، وبعضهم قال إنه سيتحقق. كانت الحارة قد نزح معظم سكانها، وكان بعضهم في مستشفى القدس، فتوجهوا إلى المكان.
ذهب زوج علا وأبناء خالها أيضًا. ثم جاءت الحقيقة. قُصف البيت وسُويت العمارة ذات الطوابق الثلاثة بالأرض.
وقع القصف تقريبًا، وقت أذان المغرب.
بدأت عمليات الإنقاذ ليلًا. أُخرج فهمي ومحمد وفراس وطفل أو طفلان، وفي الصباح استُخرج آخرون، بينما بقي أربعة تحت الأنقاض ولم يُعثر عليهم.
كانت هناك أشلاء متناثرة. تقول علا إن رأس فراس كان منفصلًا عن جسده. أما والدها، فكان جسده كاملًا تقريبًا، ولم تكن عليه سوى خدوش بسيطة. وحين أخرجوه، كان المصحف في يده.
كان قد أمضى الوقت بين العصر والمغرب في قراءة القرآن، كما اعتاد. كُفن والمصحف في يده.
عشرة أطفال في البيت
كان فراس (35 عامًا)، الابن الآخر لوالديه وشقيق محمد الوحيد، مهندس اتصالات تميّز حتى أصبح معيدًا في الجامعة الإسلامية بغزة، وتشاركه زوجته سماح التخصص ذاته. وفي ذلك المساء، كانا إلى جوار أطفالهما الأربعة: فاطمة (11 عامًا)، وعبيدة (6 أعوام)، ويمان (4 أعوام)، وسارة (عامان).
أما محمد فكان في الأربعين، إلى جوار حنين وأطفالهما الستة.
عشرة أطفال كانوا داخل العمارة. أكبرهم في الثالثة عشرة، وأصغرهم عامًا ونصف العام.
وكانت سماح ابنة السيدة جلاء سكيك، التي وجدت نفسها بعد المجزرة أمام فقد ابنتها وأحفادها الأربعة دفعة واحدة.
قالت الأم في رثائها: "غابوا عني ولم يغيبوا أبدًا ولن يغيبوا البتة". كان ذلك كل ما بقي من عائلة صغيرة؛ أم وأب وأربعة أطفال، اختفوا جميعًا في القصف نفسه الذي أودى ببقية أفراد العائلة.
ما الذي بقي؟
بعد المجزرة، لم تستطع العائلة أخذ شيء من البيت؛ لا أثاثًا ولا أوراقًا ولا صورًا. باتت العمارة ركامًا، ولم يتبقَّ من عائلة القاضي فهمي النجار سوى ثلاث بنات. وحده بئر الماء الذي أتاحه للجيران بقي هناك، يروي عشرات العائلات.
تتذكر علا والدها وهو يقرأ القرآن بين العصر والمغرب، وأمها في البيت، وشقيقيها محمد وفراس ومواقفهما. ولا تنسى آخر مكالمة مع محمد حين قال لها: "ابقِ صامدة". بقيت الشقيقات الثلاث، يحملن ذكريات البيت وأفراد العائلة الذين فقدنهن، ويروين حكاية بيت جمع جيلين في القضاء والمحاماة، وبقي بئر مائه شاهدًا على ما كان يفعله لأهله وجيرانه.

